العابرون للمسيحية: أقلية “ليست جديدة” على هامش الحياة فى مصر

0

    دوّن الفيلسوف الوجودي الدنماركي ” سورين كيركيجارد” فى يومياته أن « الحقيقة دومًا فى يد الأقلية، والأقلية دائمًا أقوى من الأغلبية، لأن الأقلية بشكل عام تتكون من أولئك الذين لديهم رأيٌ حقيقي. »

 قد يكون رأي كيركيجارد صائبًا، لكنه بالتأكيد لا ينطبق على الاقليات المصرية لأنهم لا يشكلون أى نقطة قوى مقارنةً بالأغلبية؛ فالأقليات بمثابة الذبيحة الإلهية على مائدة الحاكم الإله.


     ت
وجد فى مصر اقليات دينية متنوعة بين اقليات مسلمة معروف بوجودها بين أطياف المجتمع مثل القرآنيينرافضي التشريع على أساس السنة النبوية والأحاديث، والمستبصريين الشيعةالمُنشقين عن المذهب السُنيوالذين عُرفوا بشكل أكبر فى مصر بعد مقتل القائد الشيعي المصريحسن شحاتهعام 2013 على يد بعض السلفيين وبعلم أفراد شرطة كانوا فى موقع الحادث وقت تنفيذه. كلاهما مسلم، أى أنهم أقلية ترتدى نفس ثوب الأغلبية، لكن الإختلاف فى تفاصيل الثوب. بالرغم من ذلك يتم الضغط عليهما أمنيًا فى بعض الأحيان، و يتعرضون للإعتقال والتهميش والإضطهاد والعنصرية المجتمعية.

ثمَّة أقلية أخرى هيالعابرون للمسيحية من خلفية إسلامية، لا يُعرف عنهم الكثير لأنه لا صوت لهم من داخل الكنيسة المصرية أو من خارجها، فضلًا عن تخوّفهم من الأغلبية بكل إختلافاتها؛ فهم « أقلية داخل أقلية »، وكلاهما تحت الحصار!


    
مع إنتشار إستخدام الشبكة العنكبوتية بين مختلف الطبقات المجتمعية فى نهاية التسعينات، نشطت القوة التبشيريةالتنصيريةفى مصر إلكترونيًا بعد فترة من الركود منذ بدايتها مع قدوم الطائفة البروتستانية إلى مصر فى القرن السابع عشر. بلغت الحركة التنصيرية ذروتها فى مطلع عام 2000، مما دفع الدولة آنذاك فى تأسيسجهاز مكافحة التنصيرداخل قطاعأمن الدولةلمجابهة هذا النشاط وغيره من الأنشطة التى تعتبرها الدولة خطرًا. كل من ثبت تحوله للمسيحية ـ ومن لم يثبت ـ قضى بداخلهِ بضعةٌ أيامٍ لا تُضيئها شمس ولا يكسر حدة ظلمة لياليها قمر، والتسلية الوحيدة لهؤلاء الضحايا فى ذلك المكان الهمجي تكون أثناء محاولة تفادي إحدى الضربات العنيفة المُسددة إليهم.


   
بعد إندلاع ثورة يناير عام 2011، تغيَّرَ اسم قطاع أمن الدولة ليصبح معروفًا بـالأمن الوطني، لكن لم تتغيَّرْ أساليبهُ فى التعامل مع القضايا المختلفة. أصبح القطاع أكثر وحشيةٍ تحديدًا مع ازياد عدد الشباب المُلحد الذين كانت الثورة بالنسبة لهم بمثابة النافذة التى احدثت نقلةً فكريةً نوعيةً لهم؛ فجعلتهم متأثرين بأنماط فكرية أكثر إتساقًا مع المفاهيم الثورية التى اعتنقوها فى ساحات التظاهر وأكثر إختلافًا مع الدين. اثبتَ ذلك أن، فى مصر، المؤمن بغير الإسلام وغير المؤمن بأى دين، متساويين فى تلقي نفس درجة العنف الأمني.

أن تُصبح فردًا فى مجتمع قائم على تكتلات الأغلبية فى سياق مؤسسات، بالتأكيد أمرٌ شاقً!


  
قال أحد العابرين للمسيحية أثناء حديثه عن إختباره فى برنامجصوت العابرينعلى قناة الكرمة المسيحية  التي تُبث من أمريكا، وتُشاهد فى مصر بحذر شديد أن « الضغط الأمنى أقل ضررًا مقارنة بما نُلاقيه على المستوى الأسري والمجتمعي ». فى الواقع، أن الملاحقة الأمنية يمكن تفاديها فى بعض الأحيان، لكن لا يمكن التعامل مع مؤسسات تفصل موظفيها عن العمل إذا علمت بـ «ارتدادهم » عن الإسلام، أو مع أُسر إذا علمت أن أحد أبنائها اعتنق المسيحية تقوم بتعنيفه وحبسه داخل المنزل، وفى بعض الأحيان تحاول قتله، ليصبح الإنسان مُشردًا بدون عمل وبدون أسرة. والأمر يزداد سوءًا إذا كان لديه أطفال. لذلك على الفرد مجابهة المؤسسات الأمنية، ومؤسسة الأسرة، والمجتمع.


  
يختلف مستوى العنف فى المجتمع المصري بين الرجل والمرأة

بالتأكيد، المرأة ستُعنّف أكثر لإعتبارها جزءاً من شرف وعرض وسمعة كل ذكر فى المجتمع. بجانب وصمها بـ« الكافرة »، فهى أيضًا « فاسقة » و« عاهرة » فى نظر المجتمع والأسرة. تروي بعض النساء تجاربهن الأسرية بعدما علمت أسرهن بإعتناقهم للمسيحية على مختلف القنوات المسيحية، وجميعهن اجمعن على نفس طُرق التعذيب النفسي والبدني. 


   
منذ عامين كنت اجلس على المقعدِ الأخيرِ القانط فى إحدى الكنائس فى القاهرة فى صمتٍ يتجاوز الضجيج الذي بداخلي، وعيني مُغلَّفةٌ بهالةٌ سوداء كأنني قمتٌ حينها من بين الأموات، اقتربت مني إمرأة ليست بشابه وليست كهلة، تبسمت لي وبدأت بالحديث عن تحولها للمسيحية وعن ما لقته من تعذيب في بيتها. اخبرتني أن أفراد أسرتهاالذكورقاموا بحلاقة شعرها وصعقها بأسلاك كهربائية وحبسها داخل غرفتها موصدين ساقها ويدها فى سريرها. أظهرت لى تلك السيدة بعض آثار الندبات التى بدأت تندمل عن جسدها، لكنها مازالت جروحًا مُتقرحه فى روحها.


   
على الرغم من قسوة ما حكت لي، إلا أنها ظلت طيلةَ الحديث مُتبسّمة فرحًا بإيمانها الذي اختارته بنفسها؛ فربما كانت إبتسامتها هي قوة الأقلية التى دوّنها « كيريجارد ». ذهبت تلك السيدة وتركتني كـ « سيزيفوس » احمل على أكتافي صخرة عذابات الماضي والخوف من المستقبل المجهول.

اعادت قصتها إلى ذاكرتي ما حدث فى نوفمبر عام 2015 مع « مروة أحمد »، التي ذبحها أعمامها بعد ما اعتنقت المسيحية، وهربت من أسرتها في قرية الطامية وهى إحدى القرى الأكثر تطرفًا دينيًا فى محافظة الفيوم.  وبعد فترة تزوجت قبطيًا. عند عثور أفراد أسرتها عليها وطبقًا لمفاهيم الريف ثأروالشرفهملأن مافعلتهُ الفتاة جلب لهمالعار“! وقبل أن يحدث القتل، تم إعتقال الفتاة مع أطفالها من قِبل السلطات المصرية، بل وعندما تمت واقعة القتل حولّت الداخلية والهيئة القضائية مسار القضية لتُصبح قتلا بدافع الحفاظ على الشرف لتبرئة المجرمين، على الرغم من أنهم قاموا بحرق عدد من الكنائس فى قرية « الطامية » قبل وقوع تلك الجريمة!


   
إن ما حدث لتلك الفتاة من إعتقال فى البدء ثم ذبح فى النهاية، جاء بعد إعتماد  التعديلات الدستورية التي تنص المادة 53 منها لعام 2014 على أن المواطنين لدى القانون سواء، وهم متساوون فى الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الإجتماعي، أو الإنتماء السياسي أو الجغرافي، أو لأي سبب آخر. التمييز والحض على الكراهية جريمة، يُعاقب عليها القانون وتلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء علي كافة أشكال التمييز، وينظم القانون إنشاء مفوضية مستقلة لهذا الغرض.” يدفع هذا النص الدستوري إلى التساؤل هل عدم التمييز المقصود هنا هو عدم التمييز ضد المسلمين، أى أن النص له شرعية فى إتجاه واحد فقط؟

 إن لم تفلح الدولة فى تطبيق الدستور، إذًا ما الذى ستقدمهإستراتيجية حقوق الإنسان لتلك الأقلية الدينية!


    
اُطلقت فى الحادى عشر من سبتمبر لهذا العامإستراتيجية حقوق الإنسان فى مصروسط إحتفال كبير وبحضور السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، والذى ارتكز محور حديثه على حرية الإعتقاد الديني؛ فقالاللي عايز يسلم يسلم، واللى عايز ما يسلمش ما يسلمش، اللى عايز يؤمن يؤمن، واللي عايز ما يؤمنش ما يؤمنش“! رائع، إذًا ماذا بشأن القانون 98 المعروف بـقانون تجريم إزدراء الأديانالذى مازال ساريًا وتُعاقَب على إثره كل الاقليات السابق ذكرها أو أى شخص لا جريمة له يُعاقب به؟


   
للتوضيح يُطبق فى مصر قانون إزدراء الأديان ليس على أشخاص اهانوا الدين، بل على أشخاص انشقوا عن الدين الإسلامى فى دولة دينها الرسمي “الإسلام، مكونين رأيًا مستقلًا حول إعتقادهم الإيماني، الذي بموجب الدستور ليست جريمة. ليس ثمَّة إزدراء لأى دين فى حال إنشقاق أفراد عنه أو إعتناق مذاهب أخرى من نفس الدين.  فى تلك الجلسة أيضًا، تم مناقشة فرضية إلغاء خانة الديانة من البطاقة الشخصية، وكان رد وزير العدل حينها يُمثل القانون التشريعى القائم على الشريعة الإسلامية والذى اقتضى بأهمية بثبوت الديانة في الأوراق الرسمية للبت فى أمور الزواج والطلاق والميراث


   
تعتبرخانة الديانةفى الأوراق الرسمية فصلًا آخرًا من معاناة العابرين للمسيحية.

وأول قضية فى تارخ القضاء المصري طُرحت على الصعيد العام كانت عن المواطنمحمد السيد عمر حجازى، الذى تحول للمسيحية وأصبحبيشوى أرميا بولسوأراد أن يغير أسمه و ديانته فى الأوراق الرسمية كانت عام 2008.

يُعاني العابرون للمسيحية من عدم قدرة اغلبهم على تغيير ديانته فى الأوراق الرسمية خوفًا من الإعتقال والتنكيل، ويشترك مع المسيحين في نفس المعاناة البهائيون؛ فسجل الأحوال المدنية فى مصر لا يعترف سوي بالديانات السماوية الثلاث. وفق هذا الطرح يمكن الإشارة إلى القضية التي زُج بسببها الفنان التشكيليحسين بيكارفي السجن بعد محاولته أن يقدمرشوةلموظف السجل المدني ليغير ديانته للبهائية عام 1985. بجانب هذا التهميش المجتمعي والعنف الأسري وفقدُ العابرين لوظائفهم، لا يستطيعون الزواج! وأن تزوجوا يصبح الأطفال بهويات مسلمة فى المدارس ويعاملوا كمسلمين، وفى البيت مسيحيين؛ فلا يعرفون هل هم مسلمين أم مسيحين!


   
من المفارقات فى تلك الإشكالية، أنه ظهرت بعض الفتيات من مختلف أنحاء صعيد مصر والقرى وقد اشهرن إسلامهن حاملات بإيديهن بطاقات شخصية جديدة مُثبت بها دينهن الجديد ووثيقة أزهرية، وبتأمين من وزارة الداخلية. هذا يثير تساؤلا مهماً:  لماذا الدولة المصرية ضد الأقباط بشكل عام، وضد الأقلية العابرة بشكل خاص؟


    
ظهر مؤخرًا على شاشات الفضائيات، إقتحام أمني لمنزل رجل خطفَ طفلًا. وكانت تلك الحملة الأمنية لإنقاذ الطفل بأمر رئاسي. فى صعيد مصر، تُخطف الكثير من الفتيات القبطيات ـ تحديدًاـ، كحوادث مُمنهجة وبشكل متكرر. وتذهب الأسر للإبلاغ عن الحادثة ولا تجد من يهتم بشكواها ويتابعها. بل يتم تعنيفهم فى بعض الأحيان من قبل أفراد الداخلية، إذًا ما الخلل فى المنظومة؟


    
على مدار عقود ديكتاتورية مُختلفة، لم يستطع أحد أن يُحلل هذه الظاهرة غير فى إطار واحد وهو أن « مصر دولة إسلامية ـ رجعية ـ تحكمها القوة المتغلّبة وهم عمائم الأزهر وراء رئيس دولة وإن ارتدى زيًا عصريًا؛ فله عقليةً رجعيةً ». لذلك، ربما يتم إضطهاد الاقليات من قِبل الدولة.


  
على صعيدٍ آخر من معاناة الأقلية العابرة، بعد سقوط حكومة الإخوان المسلمين استُخدمَحرق الكنائسلترهيب المجتمع المسيحي، الذي يُزعَم أن البعض منه تم بمعرفة السلطات المصرية ـ حسب رأى بعض المعارضين المصريين! وهذا الأمر سمعت به من أحد الخُدام فى كنائس القاهرة. أصبح منذ ذلك الوقت وحتي الآن أمام الكنائس حراسة شرطية وعلى بعد متر يجلس ضابطا أمن وطني فى زى مدني. يطلُبأمين الشرطةأمام الكنيسة البطاقة الشخصية، وإن وجدَ أن خانة الديانة مسجل بهامسلم/ةيبدأ تحقيقاً حول إذا ما كان الشخص إرهابياً، وأن ثبتَ أنه شخص عادي يُسمح له بالدخول مرةً واحدةً فقط. لكن إذا تكررت زياراته، فهو ينتظر المطاردة الأمنية لا محالة. بالتأكيد، الأمر أشد سوءًا إذا كانت الزائرة فتاةٌ مُحجبةٌ وتكررت زيارتها لنفس الكنيسة


    
قمت مؤخرًا بزيارة كنيسة تُعتبر أثرية، فى زيارتي طُلبت مني البطاقة الشخصية وسألنيأمين شرطةبإبتسامةً ريفيةً معهودةً « شنطتك ديه فيها قنبلة يا اوستاذه؟! ضحكتُ له قائلةٌلا!”. سألني عن سبب زيارتي، قلت أنه إهتمام ثقافي لا أكثر. ثم قال لي « مالهاش لزمه الزيارة، هتشوفي ناس بتخبط وعماله تقول كلام مالوش لزمه جوه »!حينها تأكدت أن وجود خانة الديانة من عدمه ليست إشكالية فى الواقع المصري العنصري. وأن رأي « كيريجارد » غير مُستساغ بالنسبة لي؛ فالأقلية وإن نجحت في تكوين رأي حقيقي، فهي لن تشكل أي نقطة قوة علي الأغلبية المتمكة. وإن أى صدح بحرية فى ظل ديكتاتورية هو دعاية تسير فى إتجاه واحد فقط، وبالتأكيد، الاقليات ليسوا جزءا من الطريق الذى تسير به السلطة. دولة لم تطبق الدستور، كيف لها أن تُعطى للإنسان حقوقه إثر خطة تحمل مفردات عسكريةإستراتيجية؟

*تنبيه من « الشفاف » لقرّائه: كاتب المقال موظف في دائرة شبه حكومية..!  لذلك وقع اختياره على “إسم أدبي” هو “شيرين الطيب”. 

 

طه حسين: “الإسلام دين الدولة” شرّع اضطهاد الرأي في مصر

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
Share.
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x