ماذا يعني تصريح مسؤول بالبيت الأبيض بأن المفاوضات مع طهران شهدت اضطرابات وتسبب ذلك جزئيا بـ”انقسام هيكل الحكم لـ3 أجنحة”؟
يحمل هذا التصريح دلالة سياسية مهمة، بعد تعثر المفاوضات بين واشنطن وطهران. فالمسؤول الأمريكي لا يشير فحسب إلى الخلافات بين الأجنحة السياسية المختلفة في إيران بل يشير إلى أن مركز القرار الإيراني نفسه ليس متجانسا، وأن الوفد المفاوض قد لا يملك وحده القدرة على اتخاذ القرار النهائي.
بعبارة أخرى، عندما يقول هذا المسؤول أن هيكل الحكم منقسم إلى ثلاثة أجنحة، فالمقصود على الأرجح ليس “ثلاث حكومات”، وإنما “ثلاث مراكز قوة” داخل النظام تتنافس أو تختلف في كيفية التعامل مع الولايات المتحدة.
وهذه الأجنحة هي:
1. “جناح المرشد ومؤسسات الدولة السياسية الأمنية التقليدية“، كمكتب المرشد، والرئاسة والحكومة ووزارة الخارجية، ومجلس الأمن القومي. حيث يريد هذا الجناح الحفاظ على النظام، لكنه قد يرى أن التفاوض مع واشنطن ضروري لتخفيف الضغوط.
2. “جناح الحرس الثوري والمؤسسة العسكرية الأمنية“. وهو ينظر إلى الولايات المتحدة وإسرائيل من زاوية أمنية وعسكرية أكثر تشددا، ولديه مصالح استراتيجية واقتصادية كبيرة، وقد يقبل التفاوض لكن بشروط تمنع تقديم تنازلات يعتبرها تهديدا لقدرات إيران أو نفوذها الإقليمي.
3. “الجناح السياسي/البراغماتي المرتبط بالحكومة والاقتصاد“. ويرى أن استمرار العقوبات والعزلة والمواجهة يضغط بشدة على الاقتصاد والمجتمع. لذلك يميل إلى الوصول إلى اتفاق يفتح المجال أمام رفع العقوبات وتحسين الوضع الاقتصادي، حتى لو تطلّب ذلك تقديم تنازلات.
فإذا كان المفاوض الإيراني يقول للأمريكيين:
“نستطيع أن نوافق على هذا”، ثم يعود إلى طهران ويجد أن جهة أخرى تقول: “لا، هذا غير مقبول”، فهنا تصبح المفاوضات “متذبذبة ومليئة بالتراجعات”. وهذا يفسر بالضبط معنى كلمة “اضطرابات” في المفاوضات.
فليس بالضرورة أن الطرفين الأمريكي والإيراني عاجزان عن الاتفاق، بل أن الجانب الإيراني قد لا يكون قادرا على إنتاج موقف موحد ومستقر.
واللافت أن تقارير حديثة حول المفاوضات أشارت بالفعل إلى وجود انقسام داخل إيران بشأن الاتفاق، وأن الانقسام الداخلي كان يُنظر إليه باعتباره عاملا يضعف الموقف التفاوضي الإيراني.
لذا السؤال الذي يُطرح نفسه: من يملك القرار الفعلي في إيران اليوم بعد التطورات الأخيرة، ومن أصبح خارج الحلقة الأساسية؟
أبرز التطورات الأخيرة تمثلت في إعادة تشكيل القيادة الأمنية والعسكرية والتي جرت في 10 أغسطس الجاري بقرارات صدرت عن المرشد مجتبى خامنئي، ما جعل الصورة مختلفة بوضوح عن الأشهر السابقة.
فالقرار الفعلي في إيران أصبح اليوم أكثر تركّزا حول المرشد زائد الدائرة العسكرية والأمنية المرتبطة بالحرس الثوري، بينما تراجع وزن المؤسسات المدنية المنتخبة إن صح التعبير. فمجتبى أصبح المحور الأول للقرار السياسي، حتى مع الغموض الذي يحيط بظهوره بل وبوجوده. فهو الذي أعاد ترتيب مراكز القوة، فعيّن محسن رضائي مكان محمد باقر ذو القدر أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي وممثلا له داخل المجلس. ومن أبرز التعيينات إثارةً عودة حسين طائب الى رئاسة استخبارات الحرس الثوري.
يمكن القول إن رضائي أصبح الرجل الأكثر تأثيرا بعد مجتبى في ملف الأمن والاستراتيجية. فتعيينه في منصبه الجديد يأتي في لحظة تتداخل فيها الحرب والمفاوضات مع الولايات المتحدة وملف مضيق هرمز.
أما أحمد وحيدي، قائد الحرس الثوري، فقد تعزّز دوره كأحد أهم أضلاع السلطة الجديدة. أي أن السلطة الرئيسية اليوم في إيران، تتمثل في وجود الرأس وهو مجتبى إضافة إلى ضلعين اثنين تحته هما رضائي ووحيدي.
بمعنى آخر، انتقل مركز الثقل السياسي في إيران إلى الدائرة العسكرية المتمثلة بالحرس في مقابل تراجع الخط البراغماتي، ما يعني في أحد نتائجه الرئيسية أن إيران قد تتبنى خطّاً يرفض التفاوض بقصد التنازل للولايات المتحدة، ويعتقد أن رفع نبرة المواجهة العسكرية قد يجعل الطرف الآخر يسير باتجاه التنازل، الأمر الذي قد يجعل سيناريو المواجهة العسكرية مع أمريكا في المرحلة القادمة هو الأقرب لرسم طبيعة الصراع.
فمن خلال إعادة هيكلة 10 أغسطس يكون مجتبى قد أجاب على سؤال لماذا توزع القرار الإيراني سابقا بين المرشد والرئاسة والبرلمان والحرس الثوري ومجلس الأمن القومي، ومتى يعاد تركيزه في دائرة صغيرة يقودها المرشد والحرس؟
وعليه، بات لزاما القول إن فريقا لعب دورا مهما في المرحلة السابقة، فقدَ اليوم جزءا كبير من هذا الدور وأصبح غير قريب عن الحلقة الأساسية وعن مركز القرار الاستراتيجي، كالرئيس مسعود بزشكيان وفريقه المدني، كذلك وزير الخارجية عباس عراقجي ووزارة الخارجية، ثم المؤسسات المنتخبة، بما فيها مجلس الشورى ورئيسه قاليباف.
فحتى بعض التحليلات ترى أن تعيين رضائي يعزز سيطرة مجتبى على المؤسسة الأمنية وعلى عملية اتخاذ القرار. وهذا يفسّر لماذا أصبحت المفاوضات مع واشنطن نفسها ساحة صراع داخلية في إيران. فهناك تيار يريد استخدام التفاوض للخروج من الحرب والضغط الاقتصادي، وتيار يرى أن تقديم تنازلات قد يهدد بقاء النظام.
فإذا أردنا اليوم فهم ما سيحدث في المفاوضات مع واشنطن وحتى مع عُمان، فلا ينبغي أن نراقب بزشكيان وعراقجي وقاليباف فقط، إنما يجب التركيز على موقف مجتبى ورضائي ووحيدي، أي على موقف الخط الذي بناه مؤخرا مجتبى ويميل إلى المواجهة العسكرية.
