خفايا الأرشيف الإسرائيلي
بين لبنان وإسرائيل – حول الخطاب الذي كان من المقرر أن يلقيه الشاعر اللبناني سعيد عقل في إسرائيل.
طفت على السطح في حرب لبنان في هذا الأوان أصوات كثيرة في الساحة اللبنانية، ومن خلفيات طائفية عديدة، يُشتمّ منها إجراء نوع من حساب للنفس، تطالب بإحداث تغيير في توجهات السلطة تجاه الداخل اللبناني وتجاه العلاقة مع دولة إسرائيل. هذه الأصوات تجاهر بفكّ الرباط الإيراني الذي يفرضه حزب الله على لبنان منذ عقود طويلة. بالإضافة إلى ذلك فهي تطالب أيضًا بفكّ الارتباط مع سياقات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
لقد علت في الماضي، غير مرّة، أصوات مشابهة لما تشهده الآن الساحة اللبنانية: ”إسرائيل في هذه الأيام، والتي أمرتها العناية الإلهية بجلالها بإنقاذ لبنان، في الوقت الذي تركته القوى العظمى، العدوة والصديقة، لوحده، ها أنا آتي لأخبركم عن لبنان. وأنتم، بعد أن تعرفوا لبنان هذا، ستعرفون كم هو شاكر لكم جميلكم.”
الأقوال المقتبسة أعلاه ليست كلام الرئيس اللبناني جوزيف عون الذي دعاه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى البيت الأبيض إلى لقاء ثلاثي يجمعه برئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو. هذا الكلام لم يُكتب في هذه الأيام على خلفية الحرب الراهنة. إنه كلام شاعر لبنان الكبير، سعيد عقل، في سنة 1982 وقد صيغَ عقب حرب لبنان الأولى.
صحيح أنّ سعيد عقل كان في بداياته الأولى من أتباع الحزب القومي السوري الذي رفض الحدود التي رسمتها القوى الكولونيالية في المشرق في مستهل القرن العشرين، غير أنّه رأى نفسه في صُلب النخبة الفكرية اللبنانية، مميّزًا بين الانتماء إلى هذه النخبة وبين الانتماء إلى حزب سياسي أيًّا كان. ففي مؤلف له من العام 1954 بعنوان ”غد النخبة” فهو ينسب للحزب السياسي، مهما كانت عقيدته، شهوة جامحة ووحيدة تقتصر على شهوة الوصول إلى السلطة و الإمساك بزمام الحكم فحسب. بينما يرى هو أنّ ”النخبة فوق الشهوة وفوق السلطة”. فالسلطة بنظره هي طريقة لقيادة أمّة على درب التطوّر والتقدّم صوب مستقبل ومصير عظيمين، بينما ”النخبة هي هذا المصير العظيم” ذاته. برأيه “الحزب ينفي سواه”، بينما ”النخبة تُلهم سواها”. لقد رأى نفسه صوتًا صارخًا في برية لبنان يدفع نحو الانفتاح والتقدّم.
المجتمع اللبناني، برأي عقل، لا يختلف عن أي مجتمع آخر في العالم، ويضيف: «إنّ في إنجلترا لصوصًا، كما في لبنان، وكذلك منفقين ومتاجرين بالأفيون»، لكن ما يميز المجتمعات هو الدور الذي تضطلع به النخبة في المجتمع. في نظره، المجتمع اللبناني ليس متخلفاً بسبب وجود تجار المخدرات، بل بسبب غياب النخبة التي تمنع حدوث الأعمال الأثيمة. بينما يُعتبر المجتمع أكثر تخلّفًا من المجتمعات الأخرى «إن بقي تجار الحشيش من آن إلى آن، يصدّرون إلى الحكم نماذج منهم». ليس من الضروري أن يستولي أفراد النخبة على الحكم بأنفسهم، بل حسبما يرى فإنّه من اللائق أن يتشرف رجال الحكم بأنفسهم بالجلوس إلى مائدة النخبة. فهو يجزم بأنّه «على تلك المائدة وحدها ينقذ الحكم نفسَه من نفسِه.»
كان سعيد عقل من بين أولئك الذين سعوا إلى إعادة الأمجاد الفينيقية اللبنانية إلى سابق عهدها. كما سعى، مستلهمًا من ثورة أتاتورك، إلى التخلي عن اللغة العربية الفصحى وترك التعامل مع الحروف العربية لصالح لغة لبنانية تُكتب بالأبجدية اللاتينية.

يبدو أن هذه الخلفية هي التي دفعته إلى إقامة علاقة مع الكاتب والشاعر الإسرائيلي أهارون أمير، الذي كان من دعاة الحركة الكنعانية في إسرائيل. لقد التقى أهارون أمير بسعيد عقل في عام 1982 في مدينة بيروت، وهناك تم وضع برنامج لزيارة يقوم بها عقل إلى القدس، حيث كان من المقرر أن يلقي خطابًا في الجامعة العبرية.
عقب اللقاء في بيروت، أرسل أهارون أمير رسالة مؤرخة بـ 3 سبتمبر 1982، إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن يذكر فيها: “بناءً على رغبة صديقنا، الشاعر اللبناني الكبير سعيد عقل، يشرفني أن أقدم لك نص الخطاب الذي ينوي إلقاءه… وهو نص تلقيته منه مؤخرًا، خلال زيارتي الأخيرة إلى بيروت. لقد اتفقنا على أن الأمر مهم لدرجة تبرر تدخل رئيس الوزراء حتى في هذه المرحلة. لذا، فإن الاقتراح هو أن تتفضل بالاطلاع على النص – بقدر ما تسمح لك به ضغوط المهام الجارية – ثم ربما تدعو الشاعر (بأقصى قدر من السرية) إلى لقاء مسبق معك… وسيعتبر السيد عقل نفسه ذلك شرفًا استثنائيًّا، ويقينًا أنه لن ينسى هذا الأمر طوال حياته – خاصة أنه كان على أي حال ينوي طلب مقابلة معك بعد إلقاءه خطابه”.
يمتد خطاب عقل على 27 صفحة وهو مصاغ ومكتوب باللغة الفرنسية. ولم يتأخر وصول ردّ بيغن. فبعد أسبوع كتب إلى أهارون أمير: «أشكرك على رسالتك… وكذلك على الخطاب المرفق للسيد سعيد عقل. قرأت ما ورد برسالتك باهتمام شديد. صحيح أنني أقرأ الفرنسية، لكن ببطء. وقتي محدود جدًا، وإذا كنت تريدني أن أقرأ الخطاب بالكامل، فيرجى ترجمته إلى اللغة العبرية أو إلى الإنجليزية.”
لقد بدأت الجامعة العبرية التحضير لاستقبال سعيد عقل. وأُعدت قائمة المدعوين التي ضمت شخصيات فكرية وأكاديمية من القدس وتل أبيب وحيفا استعدادًا لهذا الحدث التاريخي.
يتضح ممّا ورد في خطاب خطاب سعيد عقل تطلّعه لإعادة الأمجاد اللبنانية إلى سابق عهدها، بما فيها أمجاد العلاقات الفينيقية القديمة مع مملكة إسرائيل: “وعلى أذن الملك سليمان، الصديق والحليف للملك حيرام الثاني، للشاعر الشاعر الذي أحب الحب، والذي ربط لبنان بالحب – ”إيتي مِنْ لبنان معي أيتها العروس” – ورسم لبلده مكانًا في قلوب جميع العشاق في العالم. أنا الشاعر من لبنان سآتي إليكم وأنشد: ”من أفئدة عرائس هؤلاء الجنود الأبطال الذين يستحقّون أوطانًا جميلة، تعالي أيتها الحبيبة التي تعرف كيف تُخلّص أوطانًا جميلة.“
ويؤكد عقل على موقفه السياسي تجاه لبنان في هذه الحقبة الجديدة، حيث تم توزيع سلطات الحكم وفقًا لمفتاح طائفي بين الطوائف المختلفة، قائلاً: «هل تريدون أن تعرفوا من أنا كرجل سياسي؟ إنني أؤيد شعبي أكثر مما أؤيد وطني: لقد ناضلت وما زلت أناضل من أجل جميع اللبنانيين دون استثناء». وفي هذا السياق، يعود ليذكر أنه في الماضي «في كثير من الأحيان، قبل هذه الحرب وأثناءها، اقترحت أنا، الماروني، ترشيح مسلم لرئاسة جمهوريتنا! وكذلك، وبطريقة طبيعية للغاية، اقترحت ترشيح يهودي”. ويضيف أنه اقترح ترشيح هؤلاء “ببساطة شديدة، لأن هذين اللبنانيين كانا لبنانيين عظيمين”.
تجدر الإشارة إلى أن لبنان في عام 1982 كان غارقًا في حرب أهلية دامية في أعقاب سيطرة منظمة التحرير الفلسطينية على مناطق واسعة في لبنان. ولهذا السبب، يشير في الخطاب المذكور إلى عدوه الوحيد في لبنان: «كان لي عدو واحد فقط على أرضي: الفلسطيني». يظهر في خطابه وقوفه دون هوادة إلى جانب إسرائيل من جهة، وغضبه الشديد مما فعله العالم العربي بلبنان من جهة أخرى: «من يريد أن يطرد إسرائيل من هذه البقعة الصغيرة في غرب آسيا، هذه الدولة الصغيرة، الأصغر 400 مرة من وطن العرب… أو من يريد أن يطرد إسرائيل من أرضها، التي هي فخرها، فهو كمن يريد أن يشعل النيران في غابة الأرز ليُحِلّ محلها نخيل صحاريه، أو كمن يريد أن يهدم على أرض بعلبك أجمل المعابد في العالم، لكي ينصب فيه هناك خيمته البدوية”.
كما يسترسل سعيد عقل عن العلاقة بين لبنان وإسرائيل، ويقارن بين الاسمين قائلاً: «منذ أن عرفنا الله باسم ”إيل“. هذا الـ”إيل“ هو الذي لا يزال ملككم أنتم. فجميع ملائكة التوراة صُكّت أسماؤهم وهي تتزين باسمه». ويضيف موجهاً كلامه إلى جمهوره من المستمعين: ”عندما أسستم دولتكم… أدرجتم اسم الله الجميل جداً هذا في اسم دولتكم. إسرا – ئيل، قوة إيل، هكذا قلتم“. أما عن لبنان، فيشيد عقل به: ”ربما تجدون اهتماماً بمعرفة أننا أيضاً أدرجنا اسم الله في اسم وطننا: لب-أنان، قلنا، وهو ما يعني قلب الله“. ففي نظر عقل، فإن الله هو القاسم المشترك بين الأمتين: ”أنتم اخترتموه بقوته؛ ونحن بحبه“.
وعلى الرغم من أن سعيد عقل كان يقدم نفسه على أنه عراف للمستقبل، لم يتنبأ بما ستؤول إليه الأحداث: «لحسن الحظ، اتضح أن أمتينا، اللتين تحمل كل منهما اسمًا يشمل اسم الله، وهما اللتان تتمسكان بإيمانهما بشدة، هما الأمّتان الأقل ثيوقراطية، وبالتالي الأكثر حداثة». يبدو أن هذا الإلٰه الذي حرص عقل على تمجيده قد وضع لاحقًا عقبات في طريق تحقيق رؤياه.
كما يعرب عقل في خطابه عن شكره لرئيس الوزراء مناحيم بيغن على «الفكرة العبقرية لإنقاذ لبنان». ويصفها بأنها «خروج آخر من مصر»، بإلهام من الله. في تلك الأيام، كان سعيد عقل لا يزال يحلم بزيارة يقوم بها مناحيم بيغن إلى لبنان وإلقائه خطابًا في مدينة بعلبك. وهناك أيضاً سيسمع الشكر التاريخي لإسرائيل بلسان اللبنانيين وبلسان سعيد عقل نفسه: «عندها، في ذلك الفيض من الفرح، ربما يدور الحدث عن إرساء عهد جديد، وماذا سيكون معناه؟ أن لبنان، الذي يقع في قلب الشرق، من خلال إبرام حلف مع إسرائيل، سيعيد إسرائيل إلى جذورها الشرقية». ويختتم بالقول إن لبنان سيشهد بذلك، أمام العالم بأسره، ليس فقط على ماضي إسرائيل المجيد، بل أيضًا على مستقبل إسرائيل المجيد دائمًا.
لكن، وكما ذكرنا، لم يقم عقل بإلقاء خطابه هذا في الجامعة العبرية. فلم يكد يمرّ أسبوع، وبالتحديد في 14 سبتمبر 1982، حتّى دمر انفجار ضخم مقر «حراس الأرز» في حي الأشرفية في بيروت. وقتل في الانفجار الرئيس المنتخب الجديد، بشير الجميل، إلى جانب 26 شخصاً آخرين.
وهكذا لم يخرج اتفاق السلام الإسرائيلي-اللبناني إلى حيز التنفيذ في تلك الأيام. وهكذا أيضاً أُسدل الستار على زيارة سعيد عقل وعلى فرصة إلقاء خطابه في القدس، وانتقل حلمه بالسلام إلى الملفات المكدّسة في أرشيف دولة إسرائيل.
ومنذ ذلك الحين، واصل لبنان الغرق في مستنقع الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني.
وهكذا أيضًا آلت بنا الأحوال إلى ما نحن عليه اليوم.
نقلاً عن مدوّنة سلمان مصالحة “من جهة أخرى”
For Hebrew, press here
