يمثل القرار منعطفًا محافظًا في البلاد التي يقودها الرئيس الانتقالي أحمد الشرع. وهو يتعارض مع الوعود التي قُدمت للسوريين بحماية حقوقهم وحرياتهم الأساسية.
ترجمة “الشفاف” نقلاً عن “لوموند“
في إشارة إلى التحول المحافظ الذي يفرضه الإسلاميون الحاكمون على المجتمع في سوريا، حظرت السلطات استهلاك الكحول في المطاعم والمقاهي والحانات في العاصمة. وينص مرسوم نشرته محافظة دمشق يوم الاثنين 16 مارس على تحويل تراخيص الملاهي الليلية ومحال بيع المشروبات إلى تراخيص مقاهٍ. كما يقيّد بيع الكحول بالزجاجات المغلقة التي تُباع في متاجر التجزئة فقط، وذلك في الأحياء ذات الغالبية المسيحية مثل باب توما وباب شرقي والقصاع، على أن يكون الاستهلاك في المنازل فقط.
ويشترط المرسوم أن تكون أي منشأة تبيع الكحول على بُعد لا يقل عن 75 مترًا من دور العبادة أو المدارس، وعلى مسافة لا تقل عن 20 مترًا من مراكز الشرطة والمؤسسات الحكومية. كما يمنح أصحاب الحانات مهلة ثلاثة أشهر للامتثال للإجراءات الجديدة.
وقد صدر القرار عن محافظ دمشق ماهر مروان، وهو قيادي سابق في هيئة تحرير الشام، الجماعة التي كان يقودها الرئيس الانتقالي أحمد الشرع. وتقول السلطات إنها اتخذت هذه الخطوة استجابة لشكاوى السكان ولمنع ممارسات تتعارض مع “الأخلاق العامة”.
وقد أزال العديد من مطاعم دمشق الكحول بالفعل من قوائمها، أو باتت تقدمه بشكل سري خوفًا من التعرض لحملات “أخلاقية” يقودها دعاة إسلاميون. وقد يجبر هذا الإجراء الجديد العديد من الحانات على الإغلاق. ويقول أحد أصحاب الحانات في دمشق، طلب عدم ذكر اسمه: “الأمر لا يتعلق بالترفيه فقط، بل هو قضية اقتصادية أساسية. كثير من العائلات تعتمد على السياحة والضيافة للعيش. إنه مصدر دخل ووسيلة للبقاء، وليس مجرد ترفيه.”
ويضيف صاحب مطعم آخر: “لقد خسرنا بالفعل الكثير من الزبائن منذ سقوط نظام الأسد. كنت أملك حصصًا في ثلاثة حانات، وأُغلق أحدها. والعديد من الحانات الأخرى ستغلق بسبب هذا القرار.” معظم زبائنه من الأجانب، مثل السياح والصحفيين والعاملين في المجال الإنساني والدبلوماسي. وقد اختار عدم المشاركة في تجمع احتجاجي يخطط له بعض التجار.
ويتابع: “طريقتي في المقاومة هي البقاء مفتوحًا، لكنها قضية خاسرة.” ويشير إلى أن السلطات حاولت تطبيق القرار عام 2025 لكنها تراجعت تحت ضغط دولي. “حتى لو تراجعوا الآن، فقد تسبب القرار بالفعل في توترات. الناس يتشاجرون على وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا يعرّضنا للخطر. أفضل أن نتوارى عن الأنظار.”
“تمييز بين المسلمين والمسيحيين”
يتعارض قرار محافظة دمشق مع وعود الرئيس الانتقالي أحمد الشرع بحماية الحقوق والحريات الأساسية. فقد أكد في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2025 أن سوريا “تبني مؤسسات دولة قانون تضمن الحقوق والحريات”.
لكن المدافعين عن حقوق الإنسان يرون أن القرار ينتهك مبدأ الحرية الفردية والمساواة بين المواطنين. ويؤكد محمد العبد الله، مدير المركز السوري للعدالة والمساءلة، أن القانون السوري لا يحظر بيع أو استهلاك الكحول، وأن القرار يخالف المادة 12 من الإعلان الدستوري التي تتبنى المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان، بما فيها تلك التي تحمي حق استهلاك الكحول.
وكتب جهاد يازجي على منصة “إكس”: “يعني ذلك أن القادة الجدد يريدون فرض سلوك معين على المواطنين المسلمين، من حيث ما يمكنهم شربه أو أكله، وحتى كيف يلبسون.” وأضاف: “الأخطر أن القرار يفرض فعليًا نوعًا من الفصل بين المسلمين والمسيحيين، وكأن كل فئة يجب أن تبقى في مناطقها.”
مداهمات أمنية
تعمل السلطات الجديدة، المنبثقة عن الفصائل الإسلامية التي أطاحت ببشار الأسد في ديسمبر 2024، على فرض رؤيتها المحافظة تدريجيًا. غير أن الخط المعتدل الذي يطرحه الرئيس الشرع لا يحظى بإجماع داخل قاعدته، حيث يطالب البعض بتطبيق صارم للشريعة.
وقد شهد شهر رمضان هذا العام تشددًا أكبر في فرض الصيام. ففي مدينة حماة، اعتُقلت امرأة بتهمة “الإخلال بالأخلاق العامة” بعد إفطارها قبل الوقت، كما فُصل موظفون في مخبز بدمشق للسبب نفسه.
كما نُفذت مداهمات في فبراير على مطاعم كانت تقدم الكحول خلال رمضان في اللاذقية. وكانت المدينة قد أثارت جدلًا سابقًا بعد قرار منع الموظفات من وضع المكياج في العمل.
وفي يونيو 2025، أصدر وزير السياحة مرسومًا يوصي بأن ترتدي النساء “البوركيني أو ملابس سباحة أكثر احتشامًا” على الشواطئ، باستثناء الفنادق الفاخرة والنوادي الخاصة.
