(مشهد لبلدة “ّدِبِل”، قضاء بنت جبيل، محافظة النبطية، وهي تبعد عن بيروت 132 كلم)
*
منذ نحو اسبوع انسحب الجيش اللبناني والقوى الأمنية رسمياً من بلدتي “رميش” و”عين ابل” الجنوبيتين ومن معظم البلدات الحدودية حيث كانوا يتمركزون، وفي بلدة “شبعا” رفض الأهالي والبلدية انسحاب الجيش وابقوا القوة العسكرية حول مبنى البلدية.
في الوقت نفسه لا يزال عدد من اهالي البلدات الحدودية يرفض الخروج منها ويصر على البقاء بارضه ويطالب الدولة بممارسة دورها القانوني والامني تجاه بلداتهم.
بلدة “دِبِل”:
تقول احدى مواطنات دبل:” يسكن البلدة الان نحو 1600 شخصاً يقضون معظم اوقاتهم في المنازل. تحولت البلدة الى بلدة أشباح، يعمها الهدوء، الطرق الى خارجها مقطوعة، انسحب الجيش منها قبل اسبوع من انسحابه من “رميش” و”عين ابل”، دخل الجيش الاسرائيلي الى حدود البلدة وهذا ما منع العديد من الناس من ترك البلدة”.
وتضيف المواطنة:” حالة اكتئاب تصيب الجميع، لدينا 123 مسنّاً ومسنة بحاجة الى رعاية، وهناك نحو 550 شخصاً أعمارهم اقل من 18 عاماً، والباقي يتراوح أعمارهم بين 18 عاما و65 عاماً”.
ويضيف احد المواطنين: “دكاكين البلدة تحولت الى مساحات فارغة، ويحتفظ الناس بالمواد الغذائية بمنازلهم ويستخدمون الحد الأدنى منها، وضعنا في هذا المجال يشبه حرب عام 2006، ونتعاون للمحافظة على ما تبقى من مياه وهي كميات غير كافية لاستمرار الحياة بحدها الادنى. التيار الكهربائي مقطوع، ولدينا القليل من مادة المازوت للمولدات الكهربائية الموجودة، والناس عادوا لاستخدام الشموع، الجميع خائف من الايام القادمة، لا أحد يعرف ماذا سيحصل، والناس متروكة لمصيرها، والاخطار تحيط بها”.
وتوضح المواطنة من “دِبل”: “يهتم من بقي من المجلس البلدي، وكاهن الرعية، بالناس والقضايا العامة في البلدة.
اما على الصعيد الصحي، لا يوجد طبيب في البلدة ولا صليب احمر لبناني ومستوصف البلدة صار فارغاً من الأدوية، والمدارس التي كانت تدرّس عن بعد، توقفت اذ لا كهرباء ولا انترنت، ولا وجود لاي مؤسسة من مؤسسات الدولة”.
ويتدخل احد المواطنين قائلاً:” كنا نزرع تبغاً، لكن الآن لم يستطع الأهالي الزراعة، ولا احد يعرف ماذا سيحصل، لكن الجميع لا يريد الحرب ولا يعرفون ماذا سيحصل من تداعيات لاحقاً، الأهالي لا يريدون ترك أراضيهم، لكنهم يريدون المساعدة.
منذ ايام اتت قافلة للسفير البابوي ويبدو انها لم تحصل على موافقة بالدخول، وعند وصولها بالقرب من “الطيري”، حصلت اشتباكات لا نعرف مصادرها ما دفع القافلة للعودة الى بيروت”.
ويضيف:” هناك خوف كبير عند الجميع، ويقول البعض ان الجوع بانتظارنا، وهذه المرة تختلف عن المرات السابقة وخصوصاً عام 2006، واذكر عام 2024 نزح الكثير الى مناطق آمنة، لكن بقي رجال البلدة وعاشوا نفس المعاناة التي نعيشها اليوم”.
وماذا يريد الناس؟ تجيب المواطنة:” يريد الناس ان تنتهي الحرب، ويبقى السؤال: من يعمّر الخراب الذي حصل؟
وماذا جنينا من إيران ومن أجلها صار الوضع لا يحتمل.
هناك عائلات تحاول جمع ما يمكن من مال لشراء منازل في بيروت لكل افراد العائلة، ولا نعرف اذا كانت بيروت آمنة ام لا؟
اكثرية الأهالي لا تريد أن تفل وتترك منازلها، اذا نزحنا تتحول البلدة الى مستوطنة إسرائيلية لذلك لن نفلّ، والبعض يقول ان ما يحصل هو محاولة تهجير لنا. ولا نملك سوى التمسك بالأرض وهذا دليل الانتماء للوطن، اننا لبنانيون ومن يطلب منا ان نترك منازلنا هو حتما غير لبناني”.
“رميش”:

كان هناك صعوبة بالتواصل مع عدد من اهالي “رميش” لفقدان الانترنت، لكن احد المزارعين قصد صديقاً له لانجاح عملية التواصل.
يقول المزارع:” يوجد حالياً نحو 6200 شخصاً في “رميش”، وكما هو معروف فان زراعة التبغ تشكل المدخول الاساس لنحو 90% من الناس، وأن مهنهم الاخرى هي لتحقيق مداخيل تساعدهم على العيش بكرامة، لكن للأسف الان الزراعة متوقفة، والبعض يزرع داخل البلدة وضمن مساحات ضيقة لا تفي بالغرض”.
وعن المواد الغذائية، يقول:”ما زالت المحلات تعمل بنشاط، ولدينا محلات تجارية بأنواع مختلفة، وتحوي كميات جيدة من المواد الغذائية، وقبل قطع الطرق عن “رميش” كان يصلنا طحين ومساعدات غذائية”.
ويزيد:” حالياً نعاني نقصاً بمياه الشرب والاستخدام، وندرة في الخضار والفواكه الطازجة واللحوم”.
ويشير المزارع الى ان البلدية تسعى بكل امكانياتها لمساعدة الناس، “ومنذ 15 يوما توجه رئيس البلدية الى بيروت لتأمين مساعدات من جهات مختلفة، لكنه الان علقان في بيروت ولا يستطيع العودة”.
خرج الجيش اللبناني من البلدة الاسبوع الماضي، “ففقدنا ضمانة الدولة لنا، وبقي مخفر الدرك، لكنه لا يملك اية امكانية. وهذا الوضع اثّر على نفسية الناس التي صارت تعبة، وخصوصا اننا نعيش بحرب فعلية، وقد تعرض بعض المنازل والبيوت للتدمير”.
ويوضح المزارع مشكلة الكهرباء بالقول: ” كثيرون يستخدمون الطاقة الشمسية، لكنها غير كافية، لدينا مولدات كهربائية لكن هناك نقص بمادة المازوت، وامس انفقدت مادة البنزين في البلدة بعد نفاذها من المحطات”.
وحول الوضع الصحي، يقول:” لدينا عدد من الأطباء الذين يخدمون الناس، ولكن عند حصول حالات طارئة، لا مستشفيات ولا أطباء بنج، واذا كانت انواع من الادوية متوفرة، فان ادوية الأمراض المزمنة غير متوفرة، كما اننا منذ عشرة أيام ونحن بحاجة الى حليب أطفال وهناك نقص بحفاضات الاطفال، لا يوجد هنا مستوصف ولا مستشفى ميداني، لدينا حوامل كثر مما يجعلنا في مواجهة مشكلة لا نقدر على حلها”.
وعلى الرغم من كل هذه الظروف فان اهل “رميش” يرفضون ترك منازلهم واراضيهم، “هذه الارض لنا ولن نتركها، لقد فرضوا الحرب علينا لكنهم لن يستطيعوا فرض النزوح”.

