مقال مسهب عن المملكة العربية السعودية أوردته صحيفة وول ستريت جورنال جاء فيه: هذه أوقات صعبة يمرّ بها وليّ العهد محمد بن سلمان. فبعض مشاريعه الطموحة يجري إلغاؤها لعدم قابليتها للتنفيذ أو لعدم القدرة على تحمّل كلفتها، في ظل أسعار نفط تدور حول 65 دولارًا للبرميل. كما أن خطر اندلاع حرب أميركية مع إيران يضع جميع مشاريعه الكبرى الأخرى—والنفط الذي يموّلها—أمام احتمال التعرّض لردود انتقامية. ويضاف إلى ذلك أن وفاة والده المسنّ والمريض، الملك سلمان، قد تُدخل قريبًا مسألة الخلافة إلى الواجهة.
سعوديون عاديون وأفراد من العائلة المالكة ومسؤولون مقرّبون من وليّ العهد قالوا لي، خلال زيارة استمرّت أسبوعين إلى الرياض، إنه يدرك أنه تحرّك بسرعة مفرطة وخلق إنفاقًا غير فعّال. وهو يركّز الآن على موازنات أذكى وتقليص الدين الحكومي.
وبالنسبة لأميركي اعتاد على الظهور اليومي للرئيس ترامب على شاشات التلفزة ومنشوراته الليلية على وسائل التواصل الاجتماعي، يلفت الانتباه أن وليّ العهد لا يتحدّث علنًا إلى مواطنيه. فبالنسبة إليه، الأفعال أبلغ من الأقوال. وبينما أجرى ترامب عشرات المقابلات في الأشهر الأخيرة، لم يجرِ وليّ العهد أي مقابلة منذ أكثر من عام.
وزير ماليته هو من يُترك له شرح إغلاق مشاريع كبرى مثل «نيوم»، المدينة الممتدّة على 105 أميال، أو «المكعّب»، وهو ناطحة سحاب مكعّبة بارتفاع 1300 قدم تشبه الكعبة المشرفة في مكة. وكان «المكعّب» مشروعًا خارجًا عن المألوف، يتضمّن برج مشاهدة حلزونيًا مع مطاعم وعروض هولوغرافية تنقل المشاهد إلى أزمنة وأماكن أخرى. محافظون رأوا أن المشروع يُسيء إلى الكعبة، فيما اعترض آخرون على كلفته بوصفه محور تطوير بقيمة 50 مليار دولار في الرياض.
وبعيدًا عن المشاريع المُهدِرة، حقّق وليّ العهد إنجازات خلال العقد الأول من «رؤية 2030» الهادفة إلى تحويل المملكة بعيدًا عن الاعتماد على النفط. والأهم، نظرًا إلى أن 63% من السعوديين دون سن الثلاثين، أن المملكة خفّضت البطالة إلى 7.5%، وهو أدنى معدل مُسجّل. ويستهدف الوصول إلى 5% بحلول 2030. كما ارتفعت نسبة تملّك المساكن—وهي قضية محورية للسعوديين—إلى 65% بعد أن كانت في منتصف الأربعينيات خلال العقد السابق لتتويج الملك سلمان عام 2015. كذلك جرى تمكين النساء للعمل في جميع المهن، بما يقدّمنه من مساهمات كبيرة في النمو الاقتصادي.
تبقى إيران، على الأرجح، الهمّ الأكبر لوليّ العهد. فقد أقام علاقات دبلوماسية مع طهران عام 2023 لحماية مشاريعه الكبرى—ومنها منشأة نفطية سعودية كبيرة تعرّضت لهجوم من وكلاء إرهابيين عام 2019، ما عطّل الإنتاج السعودي لأسبوعين. وقال لي آنذاك إنه لا يثق بالولايات المتحدة لحماية السعودية، لذا كان بحاجة إلى خفض التوتر مع إيران.
واليوم يضاعف جهوده لضمان ألا تضرب إيران المملكة مجددًا. فهو يصرّح علنًا بأن الولايات المتحدة لن يُسمح لها باستخدام قواعدها في البلاد، ولا حتى المجال الجوي السعودي، لشنّ هجوم على إيران. وهذا لا يعني أن الرياض لا تدعم الولايات المتحدة أو أنها لم تتضرّر من إيران؛ إنما أولويتها حماية المملكة من هجوم إيراني أو من أي ردّ انتقامي آخر.
وتبدو المملكة مرتبكة حيال ما تريده. فالمسؤولون منزعجون من تهديدات ترامب المتقلّبة بشنّ ضربات على إيران. وقد حذّر وزير الدفاع السعودي مؤخرًا في واشنطن من أن عدم توجيه ضربة «سيُشجّع» النظام الإيراني. ومع ذلك، تصرّ الحكومة على أنها لا تريد ضربة. هذا الارتباك، والمقاومة السعودية لأي استخدام لأراضيها في ضرب إيران، قد يكلّف المملكة عندما ينظر الكونغرس في صفقات سلاح مستقبلية.
الاستقرار الإقليمي هو ما يسعى إليه وليّ العهد قبل أي شيء، ليتمكّن من دفع عجلة التنمية داخليًا ونشر الازدهار في الدول المجاورة. وتُعدّ سوريا هدفًا أساسيًا للدعم السياسي والاقتصادي السعودي الآن بعد تراجع التدخّل الإيراني. ويتعهّد وليّ العهد بمليارات الدولارات لإعادة بناء البنية التحتية التي دمّرتها حرب أهلية طويلة، وأقنع ترامب بلقاء الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع.
دعم سوريا، وتعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة، والسعي إلى الانسجام مع دول الجوار—كلّها تحظى بتأييد الشباب السعودي. أمّا الاعتراف بإسرائيل فلا. ومع ذلك، يظلّ قريبًا من صدارة قائمة أولويات وليّ العهد.
تتشارك إسرائيل والسعودية بالفعل المعلومات الاستخبارية والأمنية. لكن إقامة علاقات دبلوماسية رسمية بين الدولة اليهودية وحارسة أقدس موقعين في الإسلام ستكون تحوّلًا تاريخيًا في سياسة الشرق الأوسط. وكان وليّ العهد مستعدًا للاعتراف بإسرائيل قبل هجوم «حماس» في تشرين الأول 2023. ويقول مقرّبون منه إنه ما زال يعتقد بإمكانية العلاقات الرسمية خلال عامين إلى خمسة أعوام.
يجب أولًا إعادة إعمار أجزاء من غزة، لكي يتمكّن بعض الفلسطينيين من الانتقال من الدمار إلى حياة أفضل. ومع بدء هذه العملية، يمكن للإسرائيليين والسعوديين مناقشة شروط العلاقات الرسمية. وبينما أصرّ وليّ العهد على قيام دولة فلسطينية كشرط مسبق، يقول بعضهم إنه قد يكتفي بـ«مسار واضح» لتحقيق ذلك.
ومع معارضة نحو 90% من السعوديين للاعتراف بإسرائيل، يحتاج وليّ العهد إلى تنازلٍ ما للمضي قدمًا. لكن المجتمع السعودي معتاد على طاعة الحاكم ولا يملك حرية سياسية للتعبير عن معارضة، ما يتيح له الاعتراف بإسرائيل حين يرى أن الوقت مناسب.
وقد انضمّ إلى «مجلس السلام» الذي شكّله ترامب للإشراف على انتقال في غزة. ورئيس الوزراء الإسرائيلي عضو أيضًا، ما يسهّل على ترامب—الساعي دائمًا إلى نيل الاعتراف بجهوده في صنع السلام—دفع الطرفين نحو اختراق دبلوماسي.
ويقول مقرّبون من وليّ العهد إنه بات أكبر سنًا وأكثر حكمة، لكنه لا يزال واثقًا من قدرته على تحويل بلاده إلى واحدة من أكبر عشرة اقتصادات في العالم بحلول 2050. ومن شبه المؤكد أنه سيصبح ملكًا عند وفاة والده البالغ 90 عامًا. ويُعبّر أمراء عن أملهم بانتقال هادئ للسلطة، رغم استياء بعضهم من تهميش وليّ العهد لأمراء واعتقال آخرين عام 2017 في فندق «ريتز كارلتون» لترسيخ هيمنته داخل أسرة آل سعود.
ومن المرجّح أن تكون وفاة الملك سلمان وتتويج الملك محمد حدثين هادئين، على غرار وفاة الملك خالد عام 1982 وصعود الملك فهد. فكما هو حال وليّ العهد اليوم، كان وليّ العهد فهد يمارس السلطة كاملة، فجاءت الخلافة شكلية. وما يشغل السعوديين الآن هو من سيكون وليّ العهد المقبل—وهذا أيضًا سيكون إلى حدّ كبير قرار محمد بن سلمان
