لم تكن جرة القلم التي وقع بها الرئيس ترامب على وثيقة استراتيجية مكافحة الإرهاب في مايو 2026 مجرد إجراءإداري، بل كانت إعلاناً عن نهاية حقبة “الغموض الاستراتيجي“. اليوم، تجد دول مثل تركيا وقطر نفسها، ومعهاساحات صراع ملتهبة كـ ليبيا واليمن، في مواجهة هندسة أمريكية جديدة تهدف إلى تفكيك “البنية التحتيةللإسلام السياسي” عالمياً.
الدول الحاضنة (تركيا وقطر).. من “الوساطة” إلى “المساءلة الجنائية“
لطالما لعبت أنقرة والدوحة دور “الجسر” بين الغرب وحركات الإسلام السياسي. لكن الاستراتيجية الجديدة تنسفهذا الجسر من خلال آليتين:
مبدأ “المسؤولية التضامنية“: بموجب تصنيف فروع الإخوان كمنظمات إرهابية (FTO)، ستفعل واشنطن“العقوبات الثانوية“. هذا يعني أن أي مؤسسة بنكية أو سياسية في تركيا أو قطر تستمر في توفير ملاذات آمنة أوتسهيلات مالية لقيادات الجماعة، ستواجه خطر العزل عن النظام المالي العالمي (الدولار).
المقايضة الكبرى: ستضع واشنطن هذه الدول أمام جدار فولاذي: إما الحفاظ على التحالف العسكري والأمنيمع الولايات المتحدة، أو الاستمرار في رعاية الجماعة. التقديرات تشير إلى أن تركيا (البراغماتية) قد تتجه نحو“تطهير” هادئ لأراضيها من قيادات الإخوان لتجنب الصدام مع إدارة ترامب، بينما قد تضطر قطر لإعادة تعريفدورها كواسطة، حيث لن تقبل واشنطن بعد الآن بوجود مكاتب تمثيلية لجماعات مدرجة على قوائم الإرهاب تحتمسمى “الحوار“.
ليبيا.. سقوط “شرعية الميليشيات“
في ليبيا، يمثل الإخوان وحلفاؤهم جزءاً أساسي من المشهد في الليبي مع سيطرة على مؤسسات حيوية وسيادية. استراتيجية 2026 ستغير قواعد اللعبة كالتالي:
تجفيف منابع التمويل العابر للحدود: سيتم تتبع التدفقات المالية القادمة من الخارج لدعم التشكيلاتالمسلحة المرتبطة بالإخوان.
نزع الغطاء الدولي: أي حكومة ليبية تضم عناصر إخوانية أو تعتمد على ميليشيات إخوانية ستجد صعوبة فينيل اعتراف واشنطن أو التعامل مع المؤسسات المالية الدولية. هذا قد يدفع القوى “غير الأيديولوجية” في طرابلسإلى الانقلاب على حلفائهم من الإخوان لتجنب “العزل الجنائي“.
اليمن.. مأزق “حزب الإصلاح“
اليمن يمثل حالة معقدة، حيث يشارك حزب “الإصلاح” (المحسوب على الإخوان) في السلطة الشرعية المدعومةدولياً.
التفكيك الوظيفي: الاستراتيجية الأمريكية قد تضغط لإقصاء العناصر “المؤدلجة” داخل حزب الإصلاح منمفاصل الدولة، مع التركيز على دعم القوى المحلية (مثل المجلس الانتقالي الجنوبي أو قوات طارق صالح) التيتتبنى نهجاً معادياً للإخوان.
خطر التصنيف: إذا استمر التداخل بين “الإصلاح” وشبكات تمويل مشبوهة، فقد يجد الحزب نفسه تحت طائلةالعقوبات، مما يضع الحكومة اليمنية (المجلس الرئاسي) في حرج دولي، ويغير موازين القوى لصالح خصومالإخوان في الداخل.
التأثير “غير المسبوق“.. العزل المالي كبديل للحروب
الجديد في استراتيجية ترامب 2026 هو أنها لا تعتمد على إرسال الجيوش، بل على “تأميم الأمن القومي عبرالقانون“:
الوصمة الجنائية: تحويل الانتماء للإخوان من “قضية رأي” إلى “جريمة تمويل إرهاب“. هذا سيجعل التعاونمع هذه الدول أو الجماعات “مخاطرة استثمارية” لا يجرؤ القطاع الخاص العالمي على خوضها.
تفكيك “معسكرات الظل“: الملاحقة لن تقتصر على الأفراد، بل ستشمل شركات الشحن، الصرافات، والجمعيات الخيرية التي تعمل كواجهات مالية للجماعة في تركيا وأوروبا.
موت بقاء الأيديولوجيا
نحن أمام مرحلة “التقلص الكبير” لنفوذ الإخوان المسلمين. الدول التي راهنت على الجماعة كأداة للنفوذ الإقليميتجد نفسها الآن أمام “فاتورة باهظة“. استراتيجية ترامب 2026 لا تهدف فقط لضرب التنظيم، بل لرفع “تكلفةالرعاية” إلى حد لا تستطيع معه أي دولة، مهما بلغت قوتها، أن تتحمله.
لقد انتقلت المعركة من “صراع الأفكار” في الميادين، إلى “صراع الأرقام” في سجلات وزارة الخزانة الأمريكية، وهنا تكمن قوة الاستراتيجية الجديدة في خنق المحاضن قبل استهداف الخلايا.
⬇️
العزل المالي والجنائي: استراتيجية واشنطن لتفكيك “شبكات الإخوان المسلمين” حول العالم
