خاص بـ”الشفاف”
خلافًا لكثير من الضجيج الدبلوماسي الذي يحيط بالملف الإيراني، لا يبدو أن هناك أي غموض حقيقي في موقف واشنطن من طهران. الرسالة قُدمت بوضوح ومن دون مواربة: إيران لن يُسمح لها بامتلاك سلاح نووي. وفي المقابل، لم تُخفِ طهران يومًا إصرارها على الحفاظ على هذا الخيار. وعند إزالة طبقات الخطاب والمناورات، يتضح أننا أمام مواجهة ثنائية صريحة—ليست مفاوضات بقدر ما هي اختبار طويل للإرادة.
غير أن ميزان القوى هنا ليس متكافئًا.
إيران تواجه اليوم ضغوطًا متراكمة تتجاوز بكثير الملف النووي. قدراتها العسكرية تعرضت لتآكل تدريجي، واقتصادها—المثقل أصلًا بسنوات من العقوبات—يعمل الآن تحت ظروف تشبه حصارًا بحريًا غير معلن. بل إن تهديداتها المتكررة بإغلاق مضيق هرمز انعكست عليها، إذ شددت الرقابة الدولية على صادراتها النفطية. وفي مرافئ التخزين الرئيسية، وعلى رأسها جزيرة “خرج”، تقترب القدرة الاستيعابية من حدها الأقصى. وعندما تُستنفد هذه القدرة، تصبح مواصلة الإنتاج عبئًا، لا ميزة—فتُغلق الآبار، وتتقلص الإيرادات أكثر فأكثر.
هذا ليس سيناريو افتراضيًا، بل مسارًا آخذًا في التبلور.
تاريخيًا، حين كانت القيادة الإيرانية تواجه أزمات داخلية، لجأت إلى الخارج. النمط واضح: من الحرب مع العراق، إلى الانخراط في اليمن، وغزة، ولبنان. الصراع الخارجي كان دائمًا وسيلة لتخفيف الضغط الداخلي وإعادة توحيد الجبهة الداخلية.
وفي هذا السياق، لا يُعد لبنان ساحة هامشية، بل مركزية.
في حال غياب تسوية بين واشنطن وطهران، فإن احتمال عودة التصعيد على الساحة اللبنانية ليس مجرد احتمال، بل نتيجة شبه حتمية. تشير المعطيات إلى أن إيران مستعدة لتحمّل الضغوط داخليًا، مقابل تصعيدها خارجيًا عبر أدواتها، وعلى رأسها حزب الله. الكلفة اللبنانية، في هذا الحساب، تبدو تفصيلًا ثانويًا. المنطق استنزافي: إطالة أمد المواجهة، رفع سقف المخاطر، وتوزيع الخسائر.
لكن ميدان المواجهة نفسه يكشف خللًا جوهريًا في ميزان القوى، غالبًا ما يُحجب خلف توصيف “الحرب غير المتكافئة”.
ما نشهده فعليًا هو مواجهة بين قوة تعتمد على الانتشار اللامركزي، والكمائن، والصواريخ البدائية نسبيًا، وبين جيش متقدم تقنيًا، قائم على التفوق الاستخباراتي وأنظمة الاستهداف الدقيقة المدعومة بالذكاء الاصطناعي. النتيجة، وإن لم تكن فورية، تبدو محسومة في اتجاهها العام.
وما سيلي ذلك لن يكون مجرد دمار، بل إعادة تشكيل جغرافي للميدان.
تشير ملامح التخطيط العسكري إلى إقامة نطاقات أمنية متدرجة على طول الحدود اللبنانية-الإسرائيلية:
- حزام أمني قريب بعمق نحو 7 كيلومترات، يخضع لرقابة صارمة، ويُعاد تنظيمه ديموغرافيًا بما يضمن الاستقرار تحت إشراف دائم.
- منطقة حرمان تمتد حتى 15 كيلومترًا، يُتعامل فيها مع أي وجود غير مصرح به كتهديد مباشر يُقابل برد فوري.
- نطاق عملياتي أوسع يصل إلى 30 كيلومترًا وما بعده، حيث يصبح الاستهداف الانتقائي جزءًا من الواقع اليومي، وتبقى الحياة المدنية في حالة هشاشة دائمة.
هذه ليست تصورات نظرية، بل امتداد منطقي لعقيدة عسكرية قائمة.
في المقابل، تبدو الجهود الدبلوماسية عرضة للتعقيد. الأوروبيون، ولا سيما الفرنسيون، إلى جانب قوى عربية معتدلة كالسعودية ومصر، يدفعون باتجاه مقاربات تختلف في ترتيبها ومضمونها. أما إيران، فتمضي في نهجها التقليدي: التأثير من الداخل لتعطيل أو إفراغ أي تسوية من مضمونها إذا ما قيّدت نفوذها.
ضمن هذا المشهد، يبدو أن الرئيس دونالد ترامب يتحرك ضمن هامش زمني ضيق، ساعيًا إلى تحقيق اختراق قبل أن تفرض الاستحقاقات الانتخابية قيودها. الوقت ليس مفتوحًا، بل مضغوطًا.
إذا نجحت المساعي، قد نشهد تفكيكًا تدريجيًا لهذه المناطق الأمنية ضمن اتفاق أوسع. أما إذا فشلت، فستترسخ هذه الوقائع كأمر واقع دائم—ليس كإجراء مؤقت، بل كخريطة جديدة.
بالنسبة إلى لبنان، فإن التداعيات واضحة وقاسية.
لسنا أمام صراع ناتج عن سوء تقدير، بل أمام مسار تحكمه بنية معقدة، وسوابق واضحة، وخيارات تتقلص بسرعة.
ورغم كل ما يُقال عن تعقيد المشهد، تبقى معادلته في جوهرها بسيطة إلى حد مقلق.
