(الصورة: البطريرك الراعي في 20 تموز/يوليو 2020: “حياد لبنان يقتضي وجودَ دولة قوية”)
في لحظة إقليمية بالغة التعقيد، لم يعد لبنان مجرد دولة صغيرة تعيش على هامش الصراعات، بل تحوّل إلى نقطة تقاطع دائمة لها. من حرب تموز 2006، إلى الحرب في غزة وتداعياتها، وصولًا إلى المواجهة المفتوحة بين إيران وإسرائيل، يجد لبنان نفسه مرة جديدة داخل معادلة لا يملك قرار الدخول إليها، ولا القدرة على التحكم بإيقاعها.
السؤال الذي يعود اليوم بإلحاح ليس جديدًا، لكنه بات أكثر حدّة، هل كان لبنان فعلًا قويًا في ضعفه كما رُوّج له لعقود؟ أم أن هذا “الضعف” تحوّل تدريجيًا إلى بنية هشّة جعلت الدولة عرضة دائمة للاختراق والانفجار؟
من هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة قراءة مقولة ميشال شيحا، “قوة لبنان في ضعفه”. هذه العبارة لم تكن دعوة إلى العجز، بل تعبيرًا عن رؤية لدولة صغيرة متعددة، لا تستطيع أن تدخل في سباق القوة العسكرية، فتبحث عن موقع آخر يحميها. لكن ما حصل لاحقًا هو انقلاب على هذا المعنى، حيث تحوّل “الضعف” من خيار سياسي محسوب إلى عجز سيادي مفتوح.
في المقابل، يبرز طرح الحياد الإيجابي/الناشط كبديل. لكن هذا الطرح يطرح سؤالًا أكثر واقعية، هل يمكن الوصول إلى الحياد مباشرة، أم أن التحييد عن الصراعات هو الشرط الضروري الذي يسبقه؟
لبنان بين التوازن المؤسس والانكشاف المبكر
منذ نشأته الحديثة عام 1943، قام لبنان على صيغة دقيقة من التوازن بين انتماءاته العربية والدولية. لم يُعلن حيادًا رسميًا، لكنه مارس حيادًا ضمنيًا سمح له بتجنب الانخراط المباشر في حروب الإقليم، وبناء وظيفة اقتصادية وثقافية مميزة في محيطه.
حتى في حرب 1948–1949، كان انخراطه محدودًا ورمزيًا، في إشارة إلى أن الدولة الناشئة لم تكن تريد أن تتحول إلى ساحة مواجهة مفتوحة. لم يكن ذلك ضعفًا، بل إدراكًا مبكرًا لحدود القوة ومحاولة لتفادي الانزلاق إلى منطق الحروب.
لكن هذا التوازن بقي هشًا، لأنه لم يتحول إلى سياسة دولة ثابتة، بل ظل مرتبطًا بميزان القوى في الإقليم.
1958 – 1969، حين فُهم لبنان فاستقر
أزمة 1958 كشفت هشاشة الداخل اللبناني، لكنها في الوقت نفسه أظهرت إدراكًا إقليميًا لخصوصية لبنان. اللقاء بين الرئيسين فؤاد شهاب وجمال عبد الناصر لم يكن تفصيلًا سياسيًا، بل لحظة مفصلية، حيث جرى الاعتراف بأن لبنان لا يمكن إدخاله بالكامل في صراعات المحاور.
هذا الفهم غير المكتوب سمح بقيام مرحلة “سويسرا الشرق”، حيث ابتعد لبنان عن حروب 1967 و1973، وازدهر كمركز مالي وثقافي.
لكن هذا الاستقرار بقي هشًا، لأنه لم يُحصّن داخل دولة قادرة على فرض سيادتها. وجاء اتفاق القاهرة 1969 ليقلب المعادلة، عبر إدخال السلاح غير الشرعي، وبدء تفكك احتكار الدولة للعنف.
من الدولة إلى الساحة، سقوط الحياد الضمني
مع نهاية الستينيات، بدأ لبنان يفقد موقعه كدولة خارج الصراع. وجود قوى مسلحة خارج الدولة، وتداخل القرار الداخلي مع الصراعات الإقليمية، حوّل البلاد تدريجيًا إلى ساحة مفتوحة.
انفجر هذا المسار في الحرب الأهلية عام 1975، حيث انهارت الدولة، وتعددت مراكز القرار، وسقطت فكرة أن “الضعف” يمكن أن يكون عنصر حماية. فالضعف غير المضبوط يتحول إلى فراغ، والفراغ تملؤه القوى المسلحة.
ما بعد 2000: السيادة المنقوصة وازدواجية القرار
مع انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، انتهت ذريعة الحرب المفتوحة، وكان يفترض أن تبدأ مرحلة استعادة الدولة لقرارها السيادي.
لكن ما حصل كان العكس، استمرار سلاح خارج الدولة، وازدواجية في القرار. ارتبط “حزب الله” ببنية إقليمية أوسع، ما جعل القرار العسكري اللبناني جزءًا من توازنات تتجاوز الدولة.
وهنا تكمن الإشكالية الأساسية، لا يمكن لدولة أن تكون محايدة أو قوية إذا لم تحتكر قرار الحرب والسلم.
من بكركي إلى التحييد، الواقعية بدل الشعارات
في تموز 2020، أعاد البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي طرح الحياد الناشط كخيار إنقاذي، ليس انعزالًا، بل إعادة تعريف لدور لبنان.
لكن هذا الطرح يصطدم بواقع واضح، الحياد لا يُبنى بقرار نظري، بل عبر تحييد فعلي يبدأ بإخراج لبنان من خطوط الاشتباك، وقف إطلاق النار، تثبيت الحدود، ومعالجة السلاح خارج الدولة.
وفي هذا السياق، يبرز ملف العلاقة مع إسرائيل كعقدة مركزية لا يمكن تجاوزها أو تأجيلها. منذ اتفاق الهدنة 1949، عاش لبنان في منطقة رمادية بين الحرب واللاحرب، لكن هذه الصيغة استُنزفت بالكامل.
المبادرة العربية للسلام عام 2002 قدّمت إطارًا نظريًا، لكنها بقيت رهينة تسوية إقليمية شاملة لم تتحقق، ما يجعل التعويل عليها وحدها شكلًا من أشكال تأجيل القرار.
هنا يصبح السؤال حاسمًا، هل يريد لبنان إنهاء حالة الحرب المفتوحة، أم الاستمرار في إدارتها؟ لا يمكن الجمع بين الحياد وبين جبهة مشتعلة تُفتح وتُغلق بقرار خارج الدولة.
كما يشكّل ترسيم الحدود مع سوريا، البرية والبحرية، جزءًا لا يتجزأ من هذا المسار.
الحياد الإيجابي، من فكرة إلى مشروع دولة
الحياد الإيجابي/الناشط لا يعني الانسحاب من القضايا، بل إعادة تعريف موقع لبنان. هو انتقال من ساحة صراع إلى دولة وسيطة، ومن موقع الاشتباك إلى موقع التأثير.
لكن هذا التحول يفترض شرطًا واضحًا، سيادة كاملة، وقرار واحد، وقدرة فعلية على منع تحويل لبنان إلى ساحة.
خاتمة
لم يكن ضعف لبنان يومًا مصدر قوته، بل كان في معظم مراحله سبب أزماته. المشكلة لم تكن في الفكرة، بل في تحويلها إلى بديل عن الدولة نفسها.
اليوم، لم يعد السؤال نظريًا. هل لبنان قوي في ضعفه؟ أم هل يريد أن يكون دولة أصلًا؟
الدولة ليست خطابًا، بل قرار واحد، وسلطة واحدة، وسيادة غير قابلة للتجزئة.
في هذا السياق، لا يبدو الحياد الإيجابي/الناشط خيارًا، بل شرطًا للبقاء. ولا يبدو التحييد تأجيلًا، بل ضرورة عاجلة.
وعند هذه النقطة، لا يسقط لبنان لأنه ضعيف، بل لأنه يرفض أن يحسم خياره بين أن يكون دولة كاملة أو ساحة مفتوحة.
