صالح جعودة: “ليس صحيحا أن الثوار ارتكبوا مجازر جماعية”

0

بقلم : رشيد خشانة – الدوحة- swissinfo.ch

اعتَـبر صالح جعودة، الكاتب والمحلِّـل السياسي الليبي أن على حكومة عبد الرحيم الكيب دعْـوة كل من هُـم برُتبة ملازم أول وما دونها، لتسجيل أسمائهم من أجل تشكيل نواة الجيش والأمن الوطنيين، وتكليف لجنة عليا بتأهيلهم وتدريبهم، لكي يقوموا بالمهام الأمنية.

وقلل جعودة في حديث خاص أدلى به لـ swissinfo.ch عشية عودته إلى ليبيا، بعد اثنين وثلاثين عاما أمضاها في المنفى بين الإمارات والولايات المتحدة، من التجاوزات المنسُـوبة للثوار حاليا، وأوضح أن سبب الكثير منها هو أن الثوار كانوا يُـسلِّـمون رموز النظام السابق، التي يعتقلونها، إلى المكتب التنفيذي (الحكومة)، فيُـفاجؤون بها طليقة بعدَ وقت قصير، ممّا حملهم على اعتِـقال تلك العناصر والرموز في مدارس تقَـع في منطقة الكتيبة.

وتوقع جعودة النجاح للحكومة الليبية الجديدة، “لسببٍ مهِـم، هو أن رئيسها، عبد الرحيم الكيب، ينتمي لتيار وطني ليبي، مرجعِـيته الشريعة الإسلامية وأعراف أهل البلاد”، كما قال.

swissinfo.ch: هل تتوقّـع لحكومة عبد الرحيم الكيب أن تنجح في إدارة المرحلة الإنتقالية مع ضخامة العراقيل والتحديات الداخلية والخارجية؟

صالح جعودة: بلى. ولكن لاشك بأنه يحتاج إلى عمل أصعب مِـن الذي كان مطلوبا في الماضي. هذه الحكومة ستنجح لسبب مهِـم، هو أن الكيب ينتمي إلى تيار وطني ليبي، مرجَـعِـيته الشريعة الإسلامية وأعراف أهل البلاد…

لكن، هناك قِـوى مسلّـحة على الأرض، قد تكون أكثر نفوذا وأمضى تأثيرا في مجريات الأمور؟

صالح جعودة: صحيح، لكن علينا أن نُنسب الأمور. فقوات الصاعقة والقوات الخاصة ما زالت موجودة، وهي التي كان يستمِـد منها اللِّـواء الراحل عبد الفتاح يونس (قائد قوات الثوار) قوّته. وهذه الوحدات لن تضعف، بل ستقوى في المستقبل. كما لا ننسى أن هناك ضبّاط أركان مخلِـصين، لو أتيحت لهُـم الفرصة والإمكانات، سيساهمون في معاودة بناء الجيش على عقيدة جديدة.

ويمكن أن نرصد مظهريْـن في كتائب المقاومة الوطنية اليوم. فهناك الكتائب التي يقودها إسلاميون، ومَـن أقصدهم، هم المنتمون إلى تيار إسلامي مسيّس. فالجميع مسلم في ليبيا، أو المحسوبين على قوى سياسية، مثل عبد الحكيم بلحاج، الذي كان ينتمي لـ “الجماعة الليبية المقاتلة” وهناك بعض آخر، كان مع “الجهاد”. فجميع هؤلاء مرتبطون بفِـكر سياسي معيَّـن.

أما القوة الأخرى، والتي لا يُـستهان بها أيضا، فتكوّنت من مجموعات يغلب عليها الطابع الجغرافي، أسْـوة بثوار مصراتة أو ثوار العبيدات في المنطقة الشرقية أو ثوار الزِّنتان في المنطقة الغربية، وهي غيْـر محسوبة على تيار سياسي بعيْـنه.

هؤلاء جميعا، بمَـن فيهم الكتائب التي يتزعَّـمها قادة إسلاميون، وغالبيتهم من الشباب، يُمثِّـلهم تيار عبد الرحيم الكيب، أي التيار الوطني الليبي المتمسِّـك بالثوابت.

لكن، هناك فرقا بين سياسيين لا سيطرة لهُـم على الأوضاع العسكرية وبين القادة الميدانيين، خاصة أن الخِـلاف مع الرئيس المستقيل للمجلس التنفيذي محمود جبريل، أظهرت عدم تكافُـؤ بين القوى في الجانبين؟

صالح جعودة: دعنا نفهم لماذا نشأت تلك الحساسية؟ لأن جبريل جاء في فترة كانت الغالبية في المكتب التنفيذي الأول محسوبة على التيار القومي أو الليبرالي، أمثال علي الترهوني ومحمود شمام، فنشأ توجُّـس لدى القادة من ذوي التيار الإسلامي، من أن يحصل لهم ما حصل في التاريخ، أي يُحارِبون فيقتلون ويُقتلون ثم تذهب ريحهم.

في المقابل، هناك أشخاص مالت إلى تمجيد دورها ومحاولة تضخيم حجْـم التيارات العِـلمانية والإسلامية، حتى خال الناس أننا في بلد متجذِّر في العمل السياسي مثل العراق أو لبنان. لا يعني هذا أني ضدّ الساسة والأحزاب، ولكن هناك واقع فرضه حُـكم القذافي طيلة 42 عاما تحت شِـعار “مَـن تَـحزَّب خان”، فقضى على المعارضة منذ 1973 ثم أكمل الباقي في الثمانينات… أما هؤلاء الشباب الثائرون، فهم شباب الإنترنت، ولا يستطيع أحد من أي اتِّـجاه كان، أن يَـدّعي أن القوة المقاتلة على الأرض تنتمي فعلا لـ “التحرير” أو “المقاتلة” أو غيرهما.

لنعد إلى برنامج الكيب، ما هي مقوِّمات النجاح التي تُنبِّـئ باحتمال قيادته للعملية الإنتقالية بنوع من التوفيق؟

صالح جعودة: ميزة الكيب أنه أولا، من أسْـرة معروفة، خاصة في طرابلس. وثانيا، أنه غادر ليبيا وقد تشكَّـل ثقافيا وعلميا وأقام صداقات عديدة في الداخل. هو رجل ذو خلفية إسلامية، الْـتَـحق في فترة من الفترات بـ “الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا” ثم غادرها، وعلاقاته طيِّـبة مع الجميع. وقد تعرَّفت عليه في بيت فيصل الزقلعي، وهو من رموز التيار الديمقراطي. والسؤال الآن: هل ستكون هناك مشاكِـل في علاقاته بالثوار؟ أظُـن أنها ستكون أقل من الماضي، لأنهم يعرفون ولاءه للوطن والله ورسوله، مما يُـزيل عدم الثقة.

وهل سيتمسَّـكون بمواقعهم الحالية ولا يغادروها؟

صالح جعودة: الأصل، أنهم يبحثون عن حقوق ولا يريدون أن يُسلِّـموا ما بأيديهم، إلا بعدما يأخذوا حقوقهم. فإذا كانوا يستحقّـون ما يطلبوه، فالأمر محسوم، أما إذا أراد أحدُ هؤلاء القادة أن يستخدِم القوّة، وخاصة القوّة المسلحة لطلب شيء لنفسه، فلن يكون مصيره النجاح إطلاقا، بل سيكون مستهجـنا من الجميع، ويبدو لهم في صورة زعيم ميليشيا، مع أن الطموح الشخصي ليس عيْـبا في ذاته ولا حراما.

هذا الأمر، هو الذي ينقلنا إلى النقطة المهمة الأخرى، وهي تشكيل الهيئة العليا للإنتخابات بالإضافة إلى إشراف الحكومة على انتخابات المجلس الوطني العام في غضون سنة ونصف، تمهيدا لإقامة مؤسّسات حُـكم دائمة. فمَـن يرى في نفسه الكفاءة ،عليه أن ينزل إلى مُـعترك الإنتخابات ويترك الناس تقول رأيها عبْـر الصناديق.

تعرّض كثير من رموز النظام السابق إلى تجاوزات وحتى إلى القتل، بينما يُفْـترض أن يُحالوا على القضاء وتُضمن لهم محاكمات عادلة…

صالح جعودة: للأمانة، أعرف أن هناك تجاوُزات حصلت، لكن لم تصِـل إلى القتل. فبالنسبة للعسكريين مثلا، علينا أن نميِّـز بين مَـن كانوا في الخِـدمة العسكرية ومن تطوّعوا لحمْـل السلاح وثاروا. فهؤلاء يُخطِـئون ويُصيبون، وقد تدخَّـلْـتُ ثلاث مرات لمنع تجاوُزات.

وتتلخص تلك التجاوُزات في أن كل مجموعة من الثوار تعرف بعض رجالات النظام السابق الذين ارتكبوا جرائم التعذيب أو الإستيلاء على المال العام أو أمَـدّوا الأجهزة بمعلومات، فاندفعوا بحماسة الشباب لاعتقال هذا أو ذاك وسلَّـموهم إلى معسكرات الدولة الليبية التابعة للحكومة الإنتقالية، غير أنهم فُـوجئوا بأن هؤلاء الرموز أطلِـقوا بعدَ ساعات، فعنت لهم فِـكرة وضع مَـن يعتقلونهم في المدارس الواقعة في منطقة الكتيبة، ريثما يُحسَـم أمرهم.

وأتمنى أن لا تتكرّر مثل هذه الظواهر في ظل حكومة الكيب. فالتجاوزات أتَـت من هنا، وهذا لا يعني أن نُبرِّر اليوم أو نُجيز الممارسات التي طالما كُـنا ضحاياها وكنا نركِّـز دائما، حتى في أوْج المعركة مع نظام القذافي، على أن العالم ينبغي أن يُميِّـز بين أخلاقهم وأخلاقنا.

ثم تواتَـر من المعلومات ما أقسى القلوب، سواء المجازر والبشاعات، التي ارتكبتها كتائب القذافي في مصراتة أو في غيرها، فحدث ما حدث، وخاصة بعد أسْـر القذافي. مع ذلك، أعتقد أن بعض الجهات بالَـغت في الموضوع، إذ لم تحدُث تصفيات جماعية، وخاصة على أيْـدي عناصر كتيبة طرابلس، الذين هُـم من الجامعيين ومن أسَـر معروفة.

لكن، حدث أخيرا اشتباك مسلّـح بين مجموعتيْـن من الثوار في طرابلس، كان ثوار الزنتان أحد طرفيها…

صالح جعودة: لم يحصل اشتباك بين أفراد من كتائب طرابلس والزنتان، بل بين مواطنين ليبيين. فالسلاح بات بيَـد جميع الناس، وقبل فترة، استُـمع إلى إطلاق نار كثيف في بنغازي قبل المغرب، واتّـضح أن أفرادا مسلّـحين كانوا يتشاجرون على أمور لا علاقة لها بالمجلس الإنتقالي ولا بالسياسة أصلا…

هل تتوقّـع أن تعتمد الحكومة الإنتقالية على بعض التكنوقراط السابقين، الذين لم يتورّطوا في جرائم سياسية أو مالية في عهد القذافي؟

صالح جعودة: بالتأكيد. فمَـن لم تكن لهم علاقة بالفساد والرشوة وأكل المال العام أو قتل الليبيين في الداخل أو الخارج، هُـم مواطنون ليبيون لنا حق الإستفادة من خِـبراتهم ولهم أيضا حقوقهم الكاملة. لا نريد إفراغ الدولة الليبية من كوادِرها وكفاءاتها…

لكن سمعنا هجومات وتشكيكا قويا في بعض الشخصيات، أمثال عبد الرحمن شلقم؟

صالح جعودة: هُـم لم يُـراعوا التوقيت، ربما في كثير من اجتهاداتهم. فنحن في ثورة دفعت العائلات خلالها خيْـرة بناتها وأبنائها، حتى أننا كنا نُعزّي 12 عائلة في وقت واحد ونشاهد في الوقت نفسه شلقم وآخرين على شاشات التلفاز، بينما هم بقوا مع القذافي فترة طويلة لم تقتصر على سنة أو سنتين، فمِـن الحِـكمة أن يبتعِـد هؤلاء مؤقَّـتا، إلى أن تهدأ النفوس. الناس لديهم مخاوف، لأن هؤلاء كانوا مع القذافي واليوم يتكلّـمون باسم الثورة.

كيف يمكن تنظيم التنافُـس بين القوى المشاركة في الثورة حتى لا تتحول ليبيا إلى عراق جديد؟

صالح جعودة: أنا متأكِّـد من أننا لن نُشبِـه العراق ولا حتى اليمن. لم ألمس لدى كتائب الثوار أية نوايا سيِّـئة، وخطابهم مُطَـمْـئِـن، كما أن مَـجيء شخصية مستقلّـة على رأس الحكومة، مسح الكثير من التناقُـضات السابقة أو قلّـل منها على الأقل.

لاحِـظ أن هناك مرشّـحين عدّة تقدموا لانتخابات رئيس الحكومة، ثم جرى اقتراع سرّي، ففاز مَـن فاز من دون أن يغضب الآخرون. تلك خطوة أولى جيدة. والثانية هي إيجاد طاقم وزاري من الأكفّـاء. والخطوة الثالثة، هي دعوة كل مَـن هُـم برُتبة ملازم أول وما دونها، لتسجيل أسمائهم من أجل تشكيل نواة الجيش الوطني وتكليف لجنة عُـليا بتأهيلهم وتدريبهم، تمهيدا لإدْماجهم في القوات المسلحة والأمن وإعادة إنزالهم إلى الشوارع، لكي يقوموا بالمهام الأمنية. وهذه الأمور من الشروط الضرورية، التي إذا ما نجحنا في تحقيقها خلال ثلاثة أشهر، ستشكّـل تمهيدا جيدا للأشهر الخمسة التي ستسبِـق الإنتخابات، استعدادا لاختيار أعضاء البرلمان.

سويس إنفو

Comments are closed.

Share.