رسالة الى اجتماع قرطبة

2

من دمشق الى قرطبة

السيدات والسادة

بعد صمت وخوف طويلين امتدّا لعقود، خرج الشعب السوري في ثورة ضد الديكتاتورية، ولقد جاءت ثورة الشعب السوري في سياق ثورات الربيع العربي، وفيما نجحت ثورات عربية بدرجة او اخرى، كان من الصعب ان تنجح الثورة السورية بسهولة وسرعة ماسبقها من ثورات عربية واوروبية شرقية، سبب ذلك تعقيد في وضع وموقع سورية واختلاط اكثر من ملف اقليمي ودولي معاً، فوق ذلك لتعقّد التكوين السوري واختلاط أزمات ثلاث متراكمة عقوداً اربعة : أزمات طبقية طائفية وإثنية، عقّدها وعمقها القمع المعمّم… بسبب تعقيد الوضع السوري واهميته على مستويات عديدة لم يكن أحداً يصدق أن ثورة يمكن ان
تنفجر في سورية ..

بدأ التمهيد للثورة على يد ناشطين ومثقفين معارضين قبل ذلك، وفي 18 آذار 2011 انفجرت الثورة السورية بسبب اعتقال اطفال كتبوا على جدار مدرستهم “الشعب يريد إسقاط النظام”، اجهزة المخابرات عذبت الاطفال قلعت اظافرهم، الامر الذي فجّر احتجاجات واسعة في درعا سرعان ما توسعت الى مدن سورية عديدة…. لكن الثورة بعد ستة اشهر من السلمية باعتراف السلطات الحاكمة في دمشق تحولت الى عصيان مسلّح في الريف وعدد من المدن الصغيرة وبعض الاحياء التي تعرضت لانتهاكات عنيفة من قوات الامن، وبسبب جهل في السياسة كانت خيارات المعارضة السياسية انفعالية الى حد ما، وحدثت استقطابات حادّة بسبب غياب التنسيق عن صفوف المعارضة وبسبب انفصال المعارضة في الخارج عن الحالة السورية الداخلية الكارثية، اصبحت المعارضة السورية العوبة بيد القوى الدولية والاقليمية المتنافسة.

استخدم النظام ورقة الاسلاميين الذين اطلقهم من سجونه ومن العراق، ولقد استطاعت الدعاية المواكبة لاختراق الاسلاميين للثورة ان تخيف الغرب او ان تكون حجة له كي يسحب دعمه الضئيل وغير الفعّال للثورة، بل وبفضل الدعاية الاسلامية كسب النظام نقطة سياسية غاية في الاهمية، بدت هذه أحد اهم اوراق النظام الرابحة لسنتين تقريباً، لدرجة انه بفضل داعش وتنظيم القاعدة أمكن التشويش على المجزرة الكيميائية التي ارتكبها النظام، هذه المجزرة التي حصلت امام انظار العالم كله دون ان يكون هناك ثمن يدفعه هذا النظام الدموي حتى الآن، سوى تسليم جزء من السلاح الكيميائي السوري مقابل بقاء بشار في السلطة حتى الآن، فيما بدى واضحاً ان هناك مجزرة سياسية ودبلوماسية دولية ترتكب بحق الشعب السوري وبحق الانسانية والقوانين الدولية…

شكّلت داعش والقاعدة ما يشبه ثورة مضادة لا تعمل لصالح الثورة بطبيعة الحال كما انها لا تعادي النظام عملياً، وبعد سنة من ظهور داعش بدت ملفاتها تفضح منذ ايام قليلة فلقد قامت داعش بقتل قيادات عسكرية في الجيش الحر كذلك صحفيين واعلاميين ثوريين، وأخيراً شاركت قوات داعش وقوات اسلامية من الشيشانيين بدعم قوات النظام لاحتلال بعض القرى في ريف حلب الجنوبي.

السيدات والسادة

بعد سنتين من الحرب السورية بدى لجميع السياسيين في المعارضة والنظام ان الحل الوحيد في سورية هو حل سياسي، هكذا بدأ العمل من اجل جنيف 1 الذي لم يعترف به احد سواء من النظام او المعارضة ولم يطبق النظام بند واحد من بنوده الستة، هكذا جرى الاعداد لجنيف 2 وقبيل انعقاده بعد ايام، يأتي اجتماع قرطبة ليكون سنداً واحتياطاً فيما لو تبيّن ان هناك مشكلة في انعقاده او الوصول عبره الى حل سياسي للصراع في سورية.

وعلى شاكلة المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية التي بدأت في مدريد يأتي مؤتمر قرطبة إشارة لها معنى كبير لبدء مفاوضات بين النظام السوري والثورة السورية ممثلةً بمعارضته، فقدر اسبانيا ان تكون المنطلق لكل حل سلمي بين اطراف متصارعة في الشرق.

واسبانيا التي فيها دم سوري وعربي يحنّ الى الشرق كما السوريون الذين ولد كثير من اجدادهم في الاندلس يعتقدون ان اسبانيا ما هي سوى استكمال حي للروح العربية، يعتقدون وياملون ان تكون ارض اسبانيا هي التي يولد فييها امل السلام ونهاية الحرب وعودة الحياة الى سورية.

قد يكون المتوسطيون ابناء البحر اكثر تحسساً لما يجري في سورية من خراب ومذابح تذكر بمذابح القرون الوسطى، ليس لشراكة الدم والثقافة فحسب، بل لأن مخاطر ما يجري في سوري سينسحب على حوض المتوسط كله، من خلخلة في الامن المتوسطي، وهجوم الهجرة الشرعية وغير الشرعية إلى اوروبا هرباً من المجازر والخراب والموت في سوريا.

من اسبانيا بدأ مشوار المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية التي طالت لعقود ومن اسبانيا ينطلق مؤتمر تشاوري من اجل سورية كمقدمة لجنيف 2 وكلنا امل نحن السوريون الا تطول المفاوضات وان يصل المتفاوضون بمن فيهم روسيا وامريكا لحل في اسرع وقت ممكن، حل يمنع المزيد من الموت والتهجير والدمار في سورية..

لو سألنا ماذا يريد السوريون من جنيف 2 لأجبنا بثقة كاملة إنهم يريدون السلام، كلا الطرفين: المعارضين للنظام والمؤيدين للنظام يريدون السلام، فالخسائر التي اصابت الجانين لا تحتمل، اعداد القتلى كبيرة في الطرفين وهي تتراوح بين مئتي الف والمليون ضحية بما فيهم المفقودين، والخسائر الاقتصادية تبلغ ما يقرب من 800 مليار دولار اما عدد المهجرين الى خارج البلاد فيبلغ 5 ملايين إضافة للمهاجرين داخل البلاد،

إن الهدف الاول لجنيف هو وقف الحرب على الشعب السوري، التي يخوضها النظام منذ ما يقرب الثلاث سنوات، وبعد ذلك او اثناء ذلك يجب فك الحصار على المدن وايصال المساعدات الغذائية والطبية.

يجب الا يحرف مؤتمر جنيف عن طريقه الصحيح الى طرق جانبية. إن الصراع السوري هو الذي جذب المقاتلين الاسلاميين من كل انحاء العالم الى سورية كما ان النظام السوري اطلق سراح اسلاميين من سجونه وكذلك فعل النظام العراقي من اجل القتال في سورية، وحل الصراع السوري بطريق عادلة وصحيحة سيبطل مفاعيل واثر الارهاب في سورية ويفكك قواعده، اما ان يتحول مؤتمر جنيف ليعالج النتيجة من دون السبب فهو ما يعني الهرب من حل الصراع الاساسي الذي يجذب الارهاب الى الارض السورية.

لا بد في اجتماع قرطية هذا إضافة لنقاش الاوضاع السياسية والاقتصادية ان يتم التفكير بطرق عملية لحل مسألة النزاع في مستوياته الاجتماعية والنفسية وفي آثاره التي تركها، مسالة المخفيين والمشوهين والمرضى النفسيين مسائل الصحة التعليم والبنى التحتية … والمصالحة الوطنية بطبيعة الحال يجب ان تكون بين مختلف اطياف الشعب السوري بمن فيهم المؤيدين للنظام، فاي حل هو حل سوري شامل ولا يجوز ان يكون حلاً لجزء من السوريين،

اشكر دعوتكم الكريمة لحضور اجتماع قرطبة، واتمنى للقاءكم النجاح لما فيه خير الشعب السوري المعذّب وان يكون إشارة أولى لبداية طريق السلام في سورية.

* فراس سعد
ناشط سياسي وكاتب سوري

2 تعليقات
Newest
Oldest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
حسام جاد
حسام جاد
10 سنوات

رسالة الى اجتماع قرطبة
الاخ فراس المحترم
لايستحق اجتماع قرطبة هذه الرسالة
هؤلاء شبه موتى ولن ينفع معهم هذه اللغة الراقية
الصادقة

ابو علي
ابو علي
10 سنوات

رسالة الى اجتماع قرطبة
لا بد في اجتماع قرطية هذا إضافة لنقاش الاوضاع السياسية والاقتصادية ان يتم التفكير بطرق عملية لحل مسألة النزاع في مستوياته الاجتماعية والنفسية وفي آثاره التي تركها، مسالة المخفيين والمشوهين والمرضى النفسيين مسائل الصحة التعليم والبنى التحتية … والمصالحة الوطنية بطبيعة الحال يجب ان تكون بين مختلف اطياف الشعب السوري بمن فيهم المؤيدين للنظام، فاي حل هو حل سوري شامل ولا يجوز ان يكون حلاً لجزء من السوريين،

Share.