رسالة إيقاف المحكمة الدولية: « استمروا بالقتل »؟

0

استعدت كلماته تلك أمام قرار تجميد أعمال المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الحريري مؤخراً. فهل سيقرأها المعنيون بأنها رخصة باستمرار القتل؟ خصوصاً في هذا الوقت الذي يجمع فيه المجتمع الغربي أن الوحيد المستفيد من انهيار لبنان هو حزب الله، ولو انهم لا يجرؤون على الاعلان عن ذلك صراحة، نظراً للتسوية الجارية من أجل اعادة إحياء الاتفاق النووي.

لن تكون المرة الأولى التي يغلبون فيها مصالحهم على العدالة الدولية. خصوصاً أن التعطيل مرّ بصمت من الدول ولم يثر أي رد فعل عند أي مسؤول في لبنان ولا أثار اهتمام الرأي العام سوى « مجموعة سيدة الجبل » وأصوات متفرقة. يحصل هذا في وقت لم يصدر فيه أي قرار بعد أو حكم، في جريمة كتفجير المرفأ، منذ أكثر من 10 أشهر، ولحقت به 4 جرائم قتل متصلة، آخرها الصديق المناضل والسياسي لقمان سليم.

إيقاف المحكمة الدولية خبر « سار » لحسن نصرالله الذي تسبّب حزبه بتفجير مرفأ بيروت! منذ اليوم الأول سارع ميشال « بيتان » عون لرفض التحقيق الدولي في جريمة حزب الله الجديدة!

ماذا يقول المجتمع الدولي لنا نحن من نعيش في منطقة أحد شعاراتها المأثورة: القتل لنا عادة!!

جعلوا القتل أقصر الطرق للتخلص من معارض سياسي أو كافر أو امرأة أقامت علاقة جنسية خارج الزواج، حتى ولو كانت اغتصاباً. والقتل هو الطريق الأسهل لاستلام السلطة او لتغيير السياسات او للبقاء في السلطة.

فهذه البلاد تعاني من وضع مأساوي عتيق، لم تتخلص من تاريخ العنف والنزاعات التي لا تعد ولا تحصى، وما زال سكانها يعانون القتل والتهجير بالملايين ويتم وطئ حقوقهم الإنسانية الأساسية بالنعال؛ دون أي ردة فعل أو محاسبة أو مقاضاة. هل يعقل كل هذه الجثث للضحايا من دون قاتل!!

لذا تفاءل اللبنانيون خيراً عندما أقيمت المحكمة الدولية للنظر في جريمة اغتيال الحريري والاغتيالات المرتبطة بها. واعتبرت كعلامة فارقة لوضع يكون فيه الاغتيال الوسيلة الفضلى للتحكم والهيمنة السياسيين ولترهيب الشعوب. فالمحكمة لم تكن فقط من أجل الحريري أو من أجل لبنان، بل من اجل العالم العربي ومستقبله ومن أجل ضمان عدم إفلات مرتكبي الجرائم المروعة على أنواعها من العقاب. كانت فرصة كي نقف بوجه تغيير الواقع السياسي بواسطة القتل، ولانطلاق حقبة تعلن بدء اتخاذ العدالة مجراها، وفرصة لتبني وتعميم مثالات ومرجعيات (بارديغم) جديدة تتغلب على ثقافة العنف والتآمر وفبركة الجثث المشوهة المرمية على الطرقات.

ترافق إطلاق المحكمة الخاصة بلبنان بإصدار المحكمة الخاصة بالسودان ودارفور مذكرة التوقيف الدولية بحق عمر البشير المتهم بجرائم إبادة جماعية. وحسبنا حينها أنهما خطوتان تؤشران إلى انتقال المنطقة إلى مرحلة جديدة تستحضر العدالة الدولية في معاقبة الجرائم الكبرى ضد الانسانية بعد غياب مديد. على أمل أن يكون ما بعد المحكمتين ليس كما قبلهما، وان لا تتغلب المصالح السياسية والصفقات الجانبية لتمرير تسويات تؤدي إلى الإفلات من العقاب. حينها وصف رئيس قلم المحكمة الخاصة فنسنت: “في نهاية المطاف لسنا هنا من أجل الأمم المتحدة أو المجتمع الدولي بل من أجل لبنان… أن مجلس الأمن رأى انه من حق الشعب اللبناني أن يشعر بالأمان وأكد على ضرورة وضع حد لسياسة الإفلات من العقاب، فإذا استطاعت المحكمة الخاصة بلبنان أن تعيد إلى الشعب اللبناني الشعور بالأمان وإذا شعر المجرم أو المجرمون بأن سياسة الافلات من العقاب انتهت وانهم لا بد سينالون جزاءهم العادل، فتكون المحكمة أبدت خدمة تاريخية الى لبنان وأعادت للبنانيين الأمان والاطمئنان لأن بلدهم عاد يسود فيه حكم القانون”.

فما هي الرسالة التي تبعث بها المنظومة الدولية إلى اللبنانيين وإلى الشعوب العربية الآن: لا يحق لكم الشعور بالأمان؟ خصوصاً في الوقت الذي تتهافت فيه المنظومة الدولية على التعاون والتهاون مع إيران التي تعبث في المنطقة والتي فرض خامنئي على شعبها “انتخاب” رئيسي، الملقب بقاضي الموت، رئيسا؟

ألن يفسر النظام الإيراني ذلك كتصريح له بالقتل من المجتمع الدولي كي يستكمل اعتداءاته على حقوق الانسان الايراني واللبناني، والسوري والعراقي واليمني؟

كتب جاك اتالي مؤخرا: قمنا ببناء سوق عالمي. والكثيرون يرحبون، عن حق، بالعولمة. ومع ذلك، فإن عولمة التجارة بدون عولمة حكم القانون، أي بدون آليات كونية وعالمية لفرض الحقوق، ستؤدي إلى الفوضى. سيعطي هذا قوة متزايدة لأكثر الفاعلين إجرامًا وخيانة في المجتمع… أكثر تعبير مروّع عن الحرية الفردية هو عدم الولاء، للآخرين وللأجيال القادمة، تاركين بيئة مدمرة وديون هائلة”.

وهذا يسري علينا وعلى حقنا بحكم القانون. ومن المؤسف أن يحصل هذا في ظل إدارة اميركية ترفع حقوق الانسان كشعار لها، ويكتب رئيسها في الواشنطن بوست بعد انتخابه: أميركا ستدافع عن قيم الديموقراطية التي تعدّ جزءاً من مصالحها”.

فأي رسالة يتلقاها اللبنانيون وباقي الشعوب في المنطقة للمستقبل عند إغلاق المحكمة؟

إن الهروب من مواجهة المشاكل الراهنة قد يتسبب بضرر قد لا يكون من السهل معالجته لاحقاً.

يتساءل البعض: هل ستتصرف الإدارة الجديدة وموقعي اتفاق 2015 النووي كما تصرفت الديمقراطيات مع ألمانيا هتلر في معاهدة ميونيخ طلباً للمهادنة ما أوقعهم في الحرب العالمية الثانية !!

monafayad@hotmail.com

الحرة

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
Share.
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x