حكومة ردّ الفتنة

0

لم يتخوف الأمين العام الشهير من الفتنة السنية – الشيعية في خطابه الأخير، والرابع خلال شهر. ربما لم يعد يرى لها ملامح، بعدما طوّق بها اللبنانيين طويلا. واقعياً، هو لا يتخوف منها، بل يُخَوِف بها. ولهذا الاستنتاج منطق: يُشعل الفتنة من يقدر على إدارة وقائعها، ومن لا يفوّت فرصة كي يُكرّسها،على الأقل، في الأذهان.

لكنّ حديث الفتنة، زُرِع قبل هذه الأيام بكثير. وإذا كان تناسي مرحلة الحرب أمراً مطلوباً فإنه لا ينفي، ولن ينفي مفاصلها المهمة، الأقرب إلى التحولات: إندلعت الفتنة إسلاميّة – مسيحيّة مع قضم المنظمات الفلسطينيّة بنيان الدولة اللبنانية وسلطتها، وانطلقت “زراعة” الفتنة السنية-الشيعية مع “غزوة” حركة “أمل” للعاصمة في 6 شباط 1984 و”خُصبت” في 7 أيار 2008 في ذلك “اليوم المجيد”.

بين التاريخين تجلّى السعي إلى تعزيز الهيمنة بوثيقة التفاهم الشهيرة يوم 6 شباط 2006، بين الأمين العام و”الجنرال”، بعدما كان لحزب الأول اليد الطولى في التحضير لتظاهرة 5 شباط ضد السفارة الدانماركية، وغذاها بالتحريض الصامت، حتّى الساعة العاشرة والنصف من قبل ظهر ذلك اليوم المشؤوم، لينسحب جمهوره منها عند بناية برج الغزال، لتنفلت بعد ذلك من كل ضبط، بحيث تتيح للجنرال أن يصف الوثيقة بأنها لحماية المسيحيين. ممن؟ ممن تورّطوا في تخريب منطقة السفارة.

اليوم يُكرِرُ الأمين العام أحاديث الفتنة ويصرُّ على احتكار القدرة على منعها، ولا يقبل من سعد الحريري أن يتعهّد للبنانيين تجنبها. السؤال الاستطرادي، المنسل من هذا الإصرار، هو: إذا كان هذا الخطر داهماً، ألا تجب مواجهته بحكومة وحدة وطنية؟

إن درء الفتنة التي يحتكر القدرة على منعها، كما يحتكر إثارة المخاوف منها، يتطلب، إلى حكومة وحدة وطنية، وقف خطاب التمييز بين اللبنانيين، والاستكبار عليهم وكسر القوقعة الاقتصادية والجغرافية والثقافية التي يسعى منذ التأسيس إلى استخدامها هوية فوق وطنية، ومتمايزة عنها، كما يتطلب وقف الخطاب السياسي المتأثر بالدين والمذهب، والموشّى برمزيات الإيحاء بالسطوة، والمدجج بالسلاح الذي يحوّل المقاومة ميليشيا لتوفير النصاب للقوة في السياسة، ويريدها بصورة مقاومة للعدو حين يحضر حديث بناء الدولة.

إذا كانت حكومة وحدة وطنية شكّلت ضرورة لا بدّ منها بعد الإنتخابات بحجة درء أخطار الإنقسام الداخلي، فكيف هي الحاجة إليها اليوم بعدما أضافت الأزمة السورية إحتمالات أخطار إضافية على لبنان وفيه، يتبنى الحزب القائد التحذير منها، سرّاً وعلناً؟ وكيف هي الحاجة إليها اليوم، بعدما بات ضعف حكومته فاقعاً يكاد يعمي اللبنانيين بوضوحه، ويجعل للأمين العام نفسه وظيفة جديدة هي تبييض صفحتها، ورفع كفتها، والتلويح بتهديد الاستقرار إن سقطت.

m2c2.rf@gmail.com

* كاتب لبناني

النهار

Comments are closed.

Share.