الكل بانتظار  سيد البيت الابيض الجديد: فعلى ماذا الشماتة؟

0

لا شك بأن اقتحام الكابيتول هيل من قبل المنتفضين الاميركيين يشكل الحدث الأمريكي والعالمي الأهم منذ ١١ سبتمبر ٢٠٠١. وهو شكل حدثا تاريخيا بكل المقاييس. فالكابيتول الذي يحتضن مجلسي الشيوخ والنواب يشكل الحصن الدستوري والتشريعي للولايات المتحدة الاميركية، وهو المكان الذي يتهيبه الكثيرون، بمن فيهم ساكن الابيض مهما بلغت قوته الشعبية ومهما بلغت نسبة تمثيل حزبه في المجلسين، نظرا للقوة الدستورية والتمثيلية التي يمتلكها الكونغرس.

كما ان لمباني الكابيتول، التي انطلقت انشاءاتها في ١٧٩٣ مع بطل الاستقلال والثورة الاميركية جورج واشنطن المتأثر بالثورة الفرنسية، رمزية كبيرة اكتستبها خلال انشاء  وتطور الولايات المتحدة الاميركية.

انشئ الكابيتول على مراحل وبطريقة تحاكي مباني الحكم الامبراطوري في اثينا وروما “مهد الحضارة والقوة الغربية” ما يؤشر في العمق لبدء رحلة طويلة في انتقال البيرق الامبراطوري الغربي من لندن لواشنطن، علما انه اقتحم مرة واحدة من قبل القوات البريطانية عام ١٨١٤.

لمعظم البرلمانات سرديات واحداث، سواء برلمانات الدول الديمقراطية والشبه ديمقراطية، سواء برلمانات الدول التوتاليتارية  والدكتاتورية، والتي غالبا ما تطلق على حكمها صفة الديمقراطية الشعبية وتسمي مجالسها  مجالس أو قصور الشعب. فالقوانين في جميع الحالات تصاغ في هذه المجالس، دون ان يعني ذلك ان هذه القوانين تشكل الناظم الوحيد او الفعلي لادارة الدول.

اول برلمان استشاري تشكل في انكلترا بالتلازم  تقريبا مع نشر الماغنا كارتا في القرن الثالث عشر، وبعد ٤٠٠ سنة قاد اوليفر كرومويل ثورة البرلمان الانكليزي ضد الملك شارل الاول مؤسسا اول جمهورية لمدة قصيرة قبل عودة وانتقام ابنه شارل الثاني.

وابان الثورة البولشفية في ١٩١٧ دخل لينين الى مجلس الدوما الروسي معلنا ان كل السلطة للسوفيات، وفي مرحلة التفكك في اعقاب الغلوسنوست والبروستريكا ادارت دبابات بوريس يلتسين مدافعها نحو الدوما الروسي ورئيسه المتمرد حسباللاتوف . وحتى ادولف هتلر  صعد على ظهر البرلمان الالماني قبل ان يتحول ديكتاتورا نازيا.

يحلو لكثر، وبينهم شامتون، ان يشبهوا ما حصل في الكابيتول هيل بما يحصل في بعض البرلمانات في العالم، خصوصا في العام الثالث. وبعضهم يذهب بعيدا في تشبيهه الوضع الاميركي لما حصل في الاتحاد السوفياتي السابق الذي تفكك وتشظى في ١٩٨٩ فاستقلت جمهوريات السهوب والقوقاس وانهار جدار برلين ومعه الستار الحديدي وانطلق دومينو تحرير دول حلف وارسو السابق من المارد المنهار. وهذا ما دفع فوكوياما الى ان يعلن “نهاية التاريخ” بانتصار الرأسمالية على الاشتراكية منهيا حرب داحس والغبراء.

وفي الواقع فقد شهدت كثير  من البرلمانات في العالم احداثا، بعضها حامية، وشكلت مفصلا سياسيا اساسيا، وبعضها لا يخلو من الطرافة. فلطالما تضارب نواب بالايدي واحيانا بالكراسي واحيانا بالمسدسات، حتى ان كولونيل تراخيرو اقتحم البرلمان الاسباني سنة ١٩٨١ب٢٠٠ مسلح . ولطالما حاصرت الجماهير الغاضبة والمهمشة برلمانات وقصور، وكثيرا ما تعرضت للقمع الدموي والوحشي. وبالمناسبة اتذكر حادثة لا تخلو من الطرافة، وان في لحظة سياسية صعبة، حصلت في البرلمان اللبناني في اعقاب اغتيال معروف سعد في صيدا سنة ١٩٧٥ حين اعلن الرئيس رشيد الصلح استقالة الحكومة احتحاجا وهم بالخروج فامسكه النائب امين الجميل من جاكيته محاولا ايقافه، فانتفض له النائب الصامت مرشد الصمد متوعدا، وبعد اسابيع قليلة وقعت حادثة بوسطة عين الرمانة وبدأت الحرب الأهلية.

لم ينتظر فوكوياما انتخاب ترامب ليكتشف ان نظريته تهتز وان الديقراطية الليبرالية تتعرض لأخطار جمة، ليس في اوروبا فقط، بل في معقل الوريث الشرعي الغربي. وفوكوياما يدرك ان انتخاب دونالد ترامب هو نتيجة وليس سببا، كما ان انتخاب اوباما الاسود ذو الاصول المسلمة والافريقية والذي شكل انتخابه علامة فارقة في الحياة السياسية ربما عجل في صعود وتعزيز المد الشعبوي ذو النكهة العنصرية، خصوصا في الارياف والمدن الصغيرة المهمشة.

يقول ادوار لوتشه في كتابه “تراجع الليبرالية الغربية” ؛ لا يخيفني ترامب بقدر ما يخيفني من يتبعه فالشتاء يأتي بعد الخريف. واحداث الكابيتول التي اطلق عليها البعض يوم العار، ووصفها فوكوياما بالتجاوز الاخير لترامب، شهدت على مخاوف لوتشه.

في سنة ١٩٧١ كتب الان بريفيت متنبئا “عندما تنهض الصين يهتز العالم”، والحقيقة الجيوسياسية الفاقعة هي انه عندما تترنح الولايات المتحدة على العالم أن يقلق.

ليست مهمة هذه الكتابة السريعة التعمق في اسباب ونتائج وتداعيات احداث الكابيتول على الحياة السياسية داخل الولايات المتحدة وفي بقية العالم، خصوصا مع دخول العامل الوبائي كمؤثر في الابعاد الجيوسياسية للتحولات الكبرى والصراعات الدولية، التي تترافق مع الصعود المذهل للمنافس الصيني وتوثب الغانغستر الروسي. تلك مهمة يقوم بها الباحثون والمحللون والسياسيون من اهل البيت، ومع ذلك نورد النقاط التالية:

لم تعد الشعبوية تشكل ظاهرة طارئة في العالم الغربي، بل اصبحت سمة من سمات النيوليبرالية، وهي بمظاهرها المتعددة باتت تعبر عن ازمة الديقراطية الليبرالية عموما.

تتغذى هذه الظاهرة من ازدياد الهوة الطبقية في المجتمع وتحول بعض المدن الى ملاذات للنخب واصحاب الثروات، تلاشت معها حتى الطبقة الوسطى المدفوعة خارج حزام الغنى، و التي لطالما شكلت حاجزا لامتصاص التناقضات الطبقية ، بعد ان تحولت بعض دول شرق اسيا الى معامل انتاج في خدمة الرأسمالية. هكذا انتقلنا من حلة دول غنية ودول فقيرة الى حالة مدن غنية ومدن وارياف مهمشة.

لقد استعار اليمين المتطرف ثياب اليسار، واستبدل التعابير الماركسية بتعابير جديدة،كالمحرمين والمهمشين.

تغذت الشعوبية من اعتبارات ثقافية، تحولت معها بعض الشعارات الوطنية، مصحوبة بالحنين الى الماضي الرومانسي الى شعارات عنصرية، خصوصا مع استقدام او تدفق اللاجئين والمهاجرين، الى اوروبا والولايات المتحدة. وغالبا ما تقاطعت مواقف اليسار المتطرف مع مواقف اليمين المتطرف من قضايا كثيرة بعد ان اصبحا يتشاركان في اكثر من صحن على المائدة نفسها. وقد ظهر ذلك جليا في استفتاء البريكسيت.

اعتمد كثير من قيادات اليمين المتطرف ايديولوجيات دينية، كالمسيحية الانجيلية الصهيونية والتي تعززت مع مايك بنس وبولسانارو ، و زادت الاسلاموفوبيا من منسوبها، خصوصا بعد  أحداث ١١ ايلول ٢٠٠١. وقد برر الرئيس الهنغاري اوربان موقفه العنصري من اللاجئين السوريين بان ارووبا يجب ان تكون مسيحية، علما ان الاتحاد الاوروبي يستند على قيم حقوق الانسان والانفتاح، حتى ان بلدية لندن يرأسها صديق خان المسلم ذو الاصول الباكستانية.

لقد ادت مفاعيل العولمة المتسارعة مع الثورة الرقمية الى مزيد من غربة وتهميش بعض الفئات، خصوصا مع دخول الصين العولمة من الباب العريض وتحولها الى منافس حقيقي ليس فقط لاوروبا بل للولايات المتحدة نفسها. وهذ الدخول مصحوبا بالاندفاع الروسي عمق ازمة الديمقراطية. ففي استفتاء حصل في ٢٠١٤ في اوروبا، ١ من ٦ ايد الحكم العسكري والقيادة الديكتاتورية القوية، فلا غرابة اذن ان تكون الصين وروسيا في مقدمة الشامتين من اهتزاز الديقراطية الاميركية.

ليس كل القيادات الشعبوية من صنف ترامب، فهو الاكثر نفاقا والاكثر نرجسية وربما الاكثر غباء وفجاجة، فاداءه الاقتصادي في الغاء بعض الضرائب جاء لصالح جماعة وول ستريت وليس المهمشين الذين انتخبوه، مما اضطره الى شحنهم عنصريا وطائفيا، لذا اطلق على ادائه اسلوب كلوكلو/ كارداشيان.وكم كان معبرا حين رفض زعيم الجمهوريين في الكونغرس ميتش ماكونيل مزايدة ترامب باقتراح ٢٠٠٠$ شهريا لكل اميركي عوض ٦٠٠ بسبب الكوفيد، قائلا انها اشتراكية الاثرياء. وفي توصيف صراع ترامب مع شي جيبينغ، قيل ان شي ينظر بالتلسكوب بينما ترامب يحملق في المرآة، اما انجازه شبه  الوحيد فكان في اظهار  ايران كنمر من ورق، خصوصا حين اغتال قاسم سليماني الذي كان يدير انياب ايران في الاقليم.

لن تنتهي ازمة الديمقراطية الليبرالية  في القريب العاجل، خصوصا ان التطور في طبيعة الاقتصاد المعرفي والرقمي لم يأخد مداه. كما ان الصراع العالمي، خصوصا الصيني الاميركي، المتوالي فصولا حول من يسبق في البيغ داتا والذكاء الاصطناعي والبيوتك، فضلا عن الفضاء ما زال في  بداياته، وتداعياته  الاقتصادية والسياسية والعسكرية والاجتماعية وحتى الحقوقية ستكون هائلة. ومع ذلك فان سرعة وسلمية وطريقة معالجة ما حدث في الكابيتول هيل، تؤكد قدرة الدولة الاميركية العميقة على الاستيعاب والتصدي للأخطار.

وبالمقارنة مع ما يحصل عادة في العالم الغير ديمقراطي، نرى ان الشماتة ليست في محلها، اخلاقيا على الاقل، بالنظر لسحق الصين المنتفضين الصينيين بالدبابات في تيان آن مان سنة ١٩٨٩ وقمع الايغور وارسالهم الى مراكز تأهيل ثقافي! وبالنظر لتدمير بوتين غروزني على رؤوس اهلها، كما لسحق واعدام المعارضين الايرانيين، حتى ان السيد الخامنئي منع استيراد طعم الكورونا من اميركا وبريطانيا، وكأنه يعاقب شعبه.

اما في مواجهة الربيع العربي، فقد حولت الانظمة الديكتاتورية الثورات الى حروب اهلية، ففي مصر كان على المصريين المنتفضين ان يختاروا بين حكم العسكر القمعي وحكم الاسلاميين الرجعي. وفي سوريا، لم يكتف النظام الذي يشارك روسيا وايران وميليشياتها، فضلا عن اميركا وتركيا في احتلال البلد، باستعمال الاسلحة المدمرة ضد المنتفضين السلميين، بل استعان، على ما ينشر، بنيترات الامونيوم ليحشو بها براميل التفحير ويرميها على الشعب السوري. بينما تفجرت الكمية الباقية بيروت ومرفأها التاريخي. وفي لبنان الواقع تحت الوصاية والاحتلال، وحيث ان جيشه الوطني لا يمكن ان يطلق النار على الشعب المتعود عالحرية، فقد عاقبت منتفضيه ميليشيات الممانعة الفئوية، واطلق حراس برلمانه الخرطوش في عيون الثوار. وفي الوقت الذي يسعى الكونغرس لعزل ترامب على تشجيعه العصيان، ويغلق تويتر حسابه غير عابئ بخسارة الميليارات، تقوم أجهزة السلطة بمسلسل الاستدعاءات ضد المغردين المعارضين، ويهدد الامين العام لحزب الله الاعلام المعارض بغزوات المتظاهرين! وبينما يمتنع اهل السلطة عن تشكيل حكومة لانقاذ البلد المنهار، لحسابات شخصية وفئوية ولمصالح خارجية، يصف البطريرك هذه السلطة بعدوة شعبها المتروك دون تطعيم فريسة الجوع والمرض والموت، ربما لانه يمكن الإنتظار للتطعيم في جهنم. وبينما يتابع البعض عزف نشيد الموت مع التوثب للتفاوض، يسجل العدو الاسرائيلي الترتيب الاول في تطعيم مواطنيه، يليه بلدان الخليج والولايات المتحدة وبريطانيا الذين يشتمهم هذا البعض عند كل اطلالة. فكفى شماتة، ذلك ان جميع الشامتين ينتظرون استلام سيد البيت الابيض الجديد جو بيدن.

talalkhawaja8@gmail.com

Print Friendly, PDF & Email
Share.
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

الكل بانتظار  سيد البيت الابيض الجديد: فعلى ماذا الشماتة؟

by طلال خوجة time to read: <1 min
0
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x