القليل منها يشفي القلب..!!

0

نشب، قبل ثماني سنوات، نقاش حاد بيني وبين مصطفى سوّاق، رئيس وحدة الدراسات في “الجزيرة” القطرية، آنذاك، والمدير العام (أو المساعد) لشبكتها هذه الأيام. شاركنا في مؤتمر للحوار العربي ـ الأوروبي في برلين، ونشأ الخلاف عندما قلت له في فترة الاستراحة بين جلستين: “يجب أن تفهم أن العالم العربي لا يُحكم من قطر”. فما كان منه إلا أن طرح الموضوع في الجلسة التالية، للتدليل على: “أن البعض يخلط بين قناة الجزيرة ودولة قطر”.

وكان ردي، في حينها: أشعر بالأسف لأنني لا أملك ما يكفي من الموارد المالية لرفع قضية أمام المحاكم الدولية ضد القناة وأصحابها، لأنها تسوّق الإرهاب، وتدعم القاعدة، وتهدد مستقبل واستقرار العالم العربي.

كان هذا قبل ثماني سنوات، وبدا الكلام في حينها تغريداً خارج السرب، لا في قاعة المؤتمر وحسب، ولكن في عالم العرب والعجم، أيضاً. كان بين المشاركين محمد السيد سعيد، وهو وطني ومثقف مصري بارز، من سوء الحظ أنه غادر دنيانا بعد أقل من عام على ذلك اللقاء. ودار بيننا في حينها نقاش، على هامش الجلسة الختامية، في حضور صديقنا المشترك حازم صاغية.

دافع محمد السيد، يومها، عن مسألة “عملية” تتمثل في وظيفة الجزيرة، كمنبر تُسمع فيه أصوات المعارضين العرب، وعن مسألة “نظرية” تتمثل في أن أحجام الدول، لم تعد مهمة في ظل التقدم التقتني والتكنولوجي ووفرة المال، لذا يمكن أن يتوفر لقطر من أدوات “القوّة الناعمة” ما لا يتوفر لدول أكبر وأقوى.

وكلا الأمرين قراءة خاطئة. ومع ذلك، كان هذا النوع من التأويل شائعاً إلى حد بعيد، على مدار سنوات مضت، وفي المراحل الأولى لثورات الربيع العربي، عندما كانت “الجزيرة” تبث أغنية مصرية قديمة “أمجاد يا عرب أمجاد”، وترسل قطر نصف سلاحها الجوي “لتحرير” ليبيا.

وأذكر، في الأيام التي سبقت انهيار نظام القذافي، أن صديقة في رام الله وصفت كيف أصيبت شقيقتها بما يشبه الانهيار العصبي لأن التيار الكهربائي انقطع، فجأة، ولم تتمكن من متابعة نشرة الأخبار على شاشة قناتها المُفضّلة.

شخصياً، توقفت من مشاهدة “الجزيرة” منذ أوائل العام 2009. في لقاء مع أحمد الشيخ، الذي كان رئيساً لتحريرها، وطبّاخاً للأخبار، سألني عن سبب التوقف عن مشاهدة “الجزيرة”. وكان الجواب كلمة واحدة. قلتُ: القرف.

كان الأمر مُقرفاً، وما يزال. يمكن، بالتأكيد، استخدام لغة مختلفة للكلام في، وعن، أمر كهذا. ولكن التجليات العربية لأسطورة جرمانية قديمة، أعاد غوته إنتاجها في عمل من كلاسيكيات الأدب الألماني، والعالمي، تمكننا من القبض على الدلالات المحتملة للقرف.

فاوست الأسطورة الجرمانية يبرم عقداً مع الشيطان، يمكّن الأخير من الاستيلاء على روحه مقابل الحصول على المعرفة، والمُتع الدنيوية اللامحدودة. وكلتاهما (بالتعبيرات الفلسفية) في جذر اللوغوس والحضارة الأوروبيين، وهما ما أوصل الإنسان إلى القمر، وصنع القنبلة النووية، والأسبرين، والكوندوم، ونظام “ويندوز” لتشغيل الكومبيوتر، وهما أيضاً في جذر الكولونيالية، وعبء الرجل الأبيض، وما الداروينية، والفرويدية، والماركسية (كلها أنجبت القرن العشرين) سوى هوامش للسردية الفاوستية الكبرى.

ولكن ماذا عن فاوست العربي؟

لم يكن فاوست الجرماني ممكناً خارج فكرة، ومفهوم، وضرورة، الصراع مع الطبيعة، في محاولة لقهرها، وتجنيدها. وبقدر ما كانت، وما تزال، لصراع كهذا، تداعيات كارثية، فإن كل ما يعيشه بنو البشر، اليوم، من تقدّم ومعرفة يعتبر من نتائجه الموضوعية.

لا وجود في العربية لما يشبه فاوست الجرماني. ومع ذلك، فاوست مجاز إنساني، أيضاً، وبهذا المعنى يمكن العثور عليه، أو توظيفه كوسيلة إيضاح، في الماضي، والحاضر، لغوايات واستيهامات تنتمي إلى السلالة نفسها، في أربعة أركان الأرض.

وليس من قبيل المجازفة القول إن الثروة النفطية الهائلة قد خلقت لدى البعض في العالم العربي غوايات واستيهامات فاوستية من طراز جديد وفريد، لم تنجم عن صراع مع الطبيعة في صفقة مع الشيطان، بل نجمت عن صراع مع الجغرافيا والتاريخ في صفقة مع كل مَن يتجلى فيه، أو ينوب عنه، لتحرير الواهم المتوّهم من قدر الذي إذا حضر لا يُعد، وإذا غاب لا يُفتقد، فَمنْ الذي يضع مثل هذا في حسابه.

ولكن مثل هذا لم يحرّم شيئاً، وحلل كل شيء، فهو قبلي إذا كانت القبيلة على طاولة الرهانات في مكان ما، وطالباني إذا كانت الطالبانية رائجة في مكان آخر، ومُقاوم وممُانع إذا كان في المقاومة والممانعة ما يمنحه مقعداً على طاولة مع الكبار، وديمقراطي إذا كانت الديمقراطية طريق الخلافة. والأخيرة هي الوصفة الوحيدة لعلاج صداع الجغرافيا والتاريخ.

مع إسرائيل وضدها، مع أميركا وضدها، مع الإرهاب وضده، ومع “أمجاد يا عرب أمجاد”، لكنه مع فرض الحجاب على جميلة بوحيرد، ومع حرية التعبير لكنه يسجن شاعراً من مواطنيه خمسة عشر عاماً لأنه كتب قصيدة لم تعجبه.

لا يمكن أن تكون مع الكل وضد الكل في آن، ففي أمر كهذا ما يحرّض في أحسن الأحوال على الارتياب، أما في أسوأ الأحوال فإن فيه ما يبرر العودة إلى أسطورة جرمانية قديمة، وقراءة تجلياتها القطرية، ولكن مع التذكير بحقيقة أن في القليل من الكوميديا السوداء، ما يشفي القلب، حتى وإن لم يمكنك من إقناع أحد، قبل سنوات.

khaderhas1@hotmail.com

Comments are closed.

Share.