“الربيع” والحرية.. بين الديني والعلماني

1

في ظل الإشارة إلى أولية الحرية كأساس يجب أن يتصدر “الربيع”، الكويتي، والعربي، يبرز التساؤل التالي: كيف يمكن للحرية أن تحتل موقعا رئيسيا في الواقع العربي الجديد، لتبدأ انطلاقتها في معالجة مسائل هذا الواقع الذي تغير بفعل الحركة الشبابية؟ ومن ثَمّ، كيف يمكن المحافظة على دور الحرية المحوري في هذا الإطار، سعيا للوصول إلى واقع تغييري جديد يساير منطلقات الحياة الحديثة؟

عملية السيطرة على الشؤون المطلبية الشبابية، التي استطاعت أن تعكس رؤيتها التغييرية أو تنتصر على الوضع الاستبدادي، بفعل الثورة أو الانتفاضة، تنتمي أو تميل في انتمائها إلى مدرستين فكريتين هما: المدرسة الدينية، والمدرسة العلمانية الليبرالية. وصور الحرية – شكلها، منبعها، سقفها وحدودها – بين الدينيين والعلمانيين في مجتمعات الربيع كافة، تشير إلى أن الواقع الجديد في علاقته بالحرية سيتشكل على أساس الصراع بين المدرستين. ففي مصر وتونس وليبيا، هناك حراك إيجابي بين أنصار المدرستين لفرض فهمهما للحرية على الواقع، ومن شأن ذلك أن يتحول في فترة لاحقة إلى صراع يتخلله العديد من مظاهر الخشية من فقدان مكاسب الإصلاح والتغيير، وهو أمر طبيعي في ظل المسافة الكبيرة التي تفصل بين المدرستين في فهم الحرية وفي تحديد موقعها الجديد. وفي الكويت لا يزال تأثير مفهوم الحرية على مجمل الحراك حساسا جدا، وقد أظهر انقساما في المشاركة بالأنشطة المطلبية التغييرية، إذ بات واضحا إلى أي حد يرفض العلمانيون – على سبيل المثال – الاشتراك في النشاط السياسي المتبنى من قبل التيار الديني، باستثناء المشاركة في الحراك حول فضح “المال السياسي”، الذي يصفه المراقبون بأنه اتفاق في وقت يصعب فيه الاتفاق.

إن عناوين رئيسية تلعب دورا في تأزم الصراع على الحرية بين المدرستين، وهل أن مصدرها ينبع من الرجوع إلى النص الديني والصراع بين الخير والشر، أو أن مصدرها ينبع من العقل الحر المستقل عن الدين. وتبرز عدة عناوين مؤزّمة في هذا الإطار، منها: الحرية الفردية والحرية الاجتماعية وحرية المعتقد وحرية التعبير. وبات من الضروري التأكيد على تبني فهم الحرية المتماشي مع التطورات والمثير للتغيرات في مختلف مجالات الحياة، أي الفهم العلماني الليبرالي، بسبب أنه لا ينطلق في رؤيته من التراث ولا يبني حلوله استنادا إلى التاريخ، فيصبح الواقع الفكري والمعرفي هو الأساس وهو المنطلق، ما يجعل تشريع التعددية ضمانة للمصالحة بين الحداثة والتراث أو بين القديم والحديث، وهي مصالحة من شأنها أن تحل محل الإقصاء.

من أبرز صور الحرية وأهمها للمرحلة التغييرية الجديدة، في تقديري، هي الحرية الفردية. فالعالم الحديث استند في بنائه وتطوره على هذا المفهوم، والفرد انطلق في إبداعه وتحقيقه قفزات نوعية من ذلك. فالنزعة الفردية تعني استطاعة الفرد اتخاذ قراراته بذاته، كما تعني قدرته على الإبداع بصورة مذهلة في ظل ضوابط هو يضعها وينظم شؤونه من خلالها. في حين أن الذوبان في الجماعة، مثلما ترى المدرسة الدينية، هو تكبيل لقدرات الفرد الجبارة، وصولا إلى سجن حريته ووأد إبداعه. فالفرد في ظل السلطة الجماعية وبعيدا عن حريته الفردية، بل في ظل فرديته السماوية المطلقة، سوف لن يكون قادرا على الإبداع إلا بعد موافقة سلطة الأسرة أو الجماعة أو القبيلة أو الأمة، أو سلطة من ينوب عن السماء، على ذلك. فلا حرية فردية تجعله يتجاوز ما تريده أو تسمح به تلك السلطات. وما تطور الإنسان الغربي وتغيّره وصولا إلى مرحلة الإبداع الفكري والعلمي منذ القرون الوسطى وحتى وقتنا الراهن إلا بسبب تحرره من تلك السلطات، التي كان من أبرزها التحالف بين نواب السماء وملاّك الأرض، والذي تمثل في تحالف الكنيسة والملك. في حين أن المجتمعات العربية والمسلمة في الوقت الراهن لم تختلف ظروفها كثيرا عن ظروف القرون الوسطى وما قبلها، إذ لا تزال تكبّل يد الحرية الفردية وتضحي بالفرد وتقتل فيه الإبداع من أجل مصلحة السلطات السياسية والاجتماعية والدينية. فالمبدعون من العرب والمسلمين لا يستطيعون ممارسة أنشطتهم إلا في المجتمعات التي تُحترم فيها الحرية الفردية، لذا تجدها تهاجر سعيا لتأكيد تميّزها وتفوقها أو هربا من جلاّديها وقامعيها.

إن الحرية في ظل سلطة وسطوة الجماعة، المتبناة من قبل المدرسة الدينية، هي مجرد مسعى لفرض رأي الجماعة على الفرد، وهو في الواقع فرض لرأي معين على الرأي الآخر، وحد من استقلاليته، وسعي لقمعه من خلال التدخل في أحلامه وصولا إلى إخضاعه. إن أكثر ما يخشاه التيار الديني من الحرية الفردية، العلمانية الليبرالية، هي أن تفضي إلى القضاء على الدين، أو تضعفه. لكن ذلك في الواقع أمر غير حقيقي، فالتيار الديني يخشى من شيء آخر، يخشى ضعضعة سلطة أفراده الدينية وضرب وصايتهم على الحرية الفردية ومنع سعيهم للسيطرة على الحياة. فالحرية الفردية في إطار الليبرالية وعلاقتها بالدين، هي “لا شيء” كما يقول محمد المزوغي، بمعنى أن الدين عند الليبرالي المؤمن بالحرية الفردية هو “مجرد خيار شخصي”. ماذا يعني هذا القول؟ إن ذلك يعني أن الليبرالية لا تسعى لا من قريب ولا من بعيد إلى القضاء على الأديان، بل إن مسؤوليتها تتمحور حول ضمان حصول كل فرد في المجتمع على التديّن الذي يسعى إليه. إن نهج العلمانية في ظل الليبرالية كما يوضح المزوغي “لا يعني القضاء على الدين أو محوه كليا من الضمير الشعبي”، مضيفا “انظر إلى الليبراليين العرب المحدثين، لا أحد منهم ناهض الدين بما هو دين، ولا واحد منهم نقد الدين الإسلامي في ذاته أو دعا إلى فسخه من الذاكرة الجماعية (وهذا هو المأخذ الذي يأخذه عليهم اليساريون، يعني عدم حسمهم نهائيا مع المنظومة الدينية). كل ما في الأمر هو أنهم ينادون بإصلاحات تدريجية، وتحديثات للمنظومة الفقهية، أي لمنظومة التشريعات القديمة، كي تتلاءم مع العصر وتحترم حرية الأشخاص”.

كاتب كويتي

ssultann@hotmail.com

1 تعليق
Newest
Oldest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
عصام-فلسطين
عصام-فلسطين
12 سنوات

“الربيع” والحرية.. بين الديني والعلماني
ويمكن لو اضفنا الى ظاهرة تعطش الاحزاب الأسلامية للسلطه(بل ان بعضها يقدم السي للسلطه كأولوية) يمكن تلمس حالة الأختناق التي نجزع لسببها من الدقم المتواليه التي يولدها هذا التعارض.لقد شهدنا في غزه مرارة حتى ونحن تحت الأحتلال نسعى ونحن رافعين شعلة الحرية اكتوت ايدينا بها. فيما ان القوى العلمانيه اكثر واقعية كتيار في تداول السلطة. وهي لذلك تجلد بالعماله . فيما القوى الأسلامية تتغطى بتقواها المزعومه وهي لن تتردد عن ادعاء ان القران دستورها….. شكراللأستاذ فاخر

Share.