الجامعة اللبنانية: بين الدجاجة التي تبيض ذهبا والبطة العرجاء

0
الصورة: أحد المباني في “المون ميشال”

 

 

قد يبدو فدائيا من يتناول بالنقد قرار انشاء فروع جديدة للجامعة اللبنانية الذي صدر مؤخرا عن الحكومة وموضوعه انشاء فروع لكليات ومعاهد في عكار وبعلبك/الهرمل وكسروان/جبيل، وهي للعلم تكرار مضخم، لما قرره مجلس الجامعة منذ سنة.

ذلك أن المنتقد قد يتهم ببساطة بانه ضد “دمقرطة” التعليم الاكاديمي وايصاله لأوسع شريحة، خصوصا في المناطق والمحافظات الأكثر تهميشا وبؤسا وحرمانا.
وإذ يطرح الامر تحديات لوجستية وانشائية ومالية وادارية كبيرة، فانه يطرح ايضا مشكلة تأمين مئات الاساتذة الجامعيين، اصحاب الكفاءة والاختصاص معا، خصوصا في المواد العلمية الأعقد، كالرياضيات البحتة على سبيل المثال لا الحصر. والقريبون من الجامعة اللبنانية ومشاكلها ودهاليزها يعرفون كم تعاني هذه الجامعة من العرف العشوائي والزبائني الذي حكم مراسيم التفرغ وقرارات التعاقد والتوظيف، خصوصا في شُعَب العلوم المستحدثة منذ ثمان سنوات والتي، وان ادى استحداثها دون شك الى تخفيف العبء عن الاهالي، الا انها ساهمت ايضا بتدحرج المستوى الاكاديمي في الكلية التي بقيت الى حد كبير عصية على ذلك. وذلك، رغم التدهور الإجمالي الذي طال العملية الاكاديمية في الجامعة نتيجة الاطباق عليها منذ “تفريعها الامني السياسي” في اعقاب حرب السنتين، وتحول معظم فروعها لاحقا لقلاع شبه مذهبية، وسيادة المحاصصة والزبائنية في جميع مؤسساتها وهيئاتها واقسامها بما فيها المنتخبة! حيث اصبحت تشبه البلد المتزايد تفككا واضطرابا وتمذهبا، رغم مقاومة الكثيرين.

تحزنني الجامعة كلها، وان كنت اكثر حزنا على كلية العلوم التي رفعت رأسي عاليا في جامعات باريس ولندن والتي كانت تميزنا عن غيرنا من “مبعوثي الدول النامية”. ذلك انه كان للجامعة اللبنانية عموما، ولكلية حسن مشرفية خصوصاً، مكانة خاصة في غابر الايام،ما كان يستثير حسد البعض واحترام الاكثرية.

اذ انه كان للتعليم الاكاديمي ميزة خاصة تميزه عن ما قبل الجامعي. ففي الجامعات تنقل وتنتج المعرفة والافكار الحرة وتعم ثقافة الحوار وحرية التعبير وتتواصل مكونات وشرائح اجتماعية مختلفة وفيها تصنع الكوادر للبلد ومحيطه العربي الواسع.

ربما لهذه القناعات، كنت من بين الفدائيين الذين انتقدوا قرارات التشعيب الآنفة الذكر، رغم انني كنت اعرف كم يعاني تلامذتي العكاريون للوصول لكلية العلوم في “القبة”، خصوصا الصبايا اللواتي ابدين رغبة استثنائية في اكتساب سلاح العلم والشهادة وتحصين انفسهن اجتماعيا واقتصاديا.

وبالطبع لم تغير تجربة التشعيب قناعاتي، بل زاداتها رسوخا، لانها ساهمت في تحويل العملية الاكاديمية الى “عملية تعليم مدرسي”.

في المبدأ لا يستطيع المرء ان يقف ضد انشاء جامعات او فروع للجامعة للبنانية او لكلية او لمعهد في اي منطقة، خصوصا كعكار( على سبيل المثال)، شرط ان يكون القرار رؤيويا وممكنا. وقلقي من ان تكون لهذه القرارات جوانب شعبوية وحتى انتخابية خصوصا مع وعود التوظيف والتعاقد وما الى ذلك، فضلا عن انها صعبة التنفيذ، ان لم تكن مستحيلة، ما يجعلني اتساءل، هل نضيف مؤسسات تشبه بعض الجامعات الخاصة التي نمت بالعشرات في الاونة الاخيرة؟

حين انتقدت قرار التشعيب، عملنا شمالا على التسريع بانجاز المدينة الجامعية في “المون ميشال”، واخرجنا العلوم من الحفرة بشبه القوة، وضغطنا لمناقصة كلية الصحة لننجز النصف العلمي للمجمع، ونضغط لبناء مساكن الطلبة داخل المجمع مع تشجيع للبناء الطالبي حوله من قبل بعض المؤسسات والقطاع الخاص.

وبالطبع ممكن اعطاء الاولوية لاهل المناطق الاصعب، وتأمين باصات حديثة لنقل الساكنين بعيدا، مع اعادة العمل بمنح الاختصاص والتفوق وكل هذا لا يكلف كلفة كلية واحدة فعلية. علما انه من الممكن انشاء كليات متخصصة في عكار والبترون وربما غيرها من المناطق، ككليات الزراعة والسياحة ومعاهد علوم البحار والتكنولوجيا، على ان تتبع كلها لجامعة شمالية واحدة يكون مقر ادارتها في المدينة الجامعية في المون ميشال.
وربما تشكل هذه القرارات الملتبسة والعشوائية مناسبة للضغط الديمقراطي من اجل استكمال المدن الجامعية، وخصوصا في “المون ميشال” شمالا التي طال انتظارها، حيث ان ثلاث كليات عمليا تنتظر الاستلام والتجهيز وعقود الصيانة والتشغيل وكلية رابعة تنتظر التلزيم والحفر منذ حوالي السنة وكليات اخرى ومراكز ابحاث وسكن وطرق دائرية ملازمة تنتظر الالتفاتة والتمويل.

فليضع السياسيون بيضهم في سلال المجمعات الاكاديمية المقرة سابقا وليوقفوا عن التفقيس الاصطناعي، وليكفوا بالطبع عن اعتبار الجامعة اللبنانية دجاجة تبيض ذهبا. اذ ان تدخّلهم في حياتها حولّها بطة عرجاء! والاسوأ ان البعض من داخل الجامعة وخارجها ما زال يظن ان ادارة للجامعة المضخمة والمنتشرة والمتمددة بكل الاتجاهات والمجهزة بما تيسر وعلى طريقة” هات ايدك والحقني”، ما زال ممكنا بالريموت كونترول او بالادوات الكلاسيكية القديمة لا فرق!

فبئس الظن، لاننا سنواصل التدحرج الى القعر اذا ما استمرينا على هذا المنوال، فهل من ينتبه!

talalkhawaja8@gmail.com

*طرابلس، لبنان

Share.

Post a comment

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن

الجامعة اللبنانية: بين الدجاجة التي تبيض ذهبا والبطة العرجاء

by طلال خوجة time to read: <1 min
0