(الصورة: بوابة تُفتَح ودبابة إسرائيلية تبدأ الإنسحاب من لبنان في 24 أيار/مايو 2000، في عهد إيهود باراك الذي قاد عملية اغتيال القادة الفلسطينيين في شارع “فردان” في بيروت في نيسان/إبريل 1973)
*
تدفعنا الحروب الإقليمية الدائرة، منذ “طوفان الأقصى” في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، إلى إعادة النظر في كثير من المسلّمات التي ترسّخت في الوعي السياسي العربي لعقود.
ومن أبرز هذه المسلّمات فكرة “إسرائيل الكبرى”، التي لم تعد مجرد نقاش تاريخي أو سردية أيديولوجية، بل تحوّلت إلى عدسة تفسير يُقرأ من خلالها ما يجري في المنطقة، من فلسطين إلى لبنان، مرورًا بساحات صراع متعددة.
بين النصوص الدينية والسرديات السياسية، تُختبر فكرة “إسرائيل الكبرى” على أرض الواقع. لبنان يقدّم أحد أبرز مفاتيح الإجابة، مع مراعاة أن هذا التحليل لا يتناول قضية فلسطين التاريخية أو الحقوق الفلسطينية، بل يركّز على تفكيك السردية واختبارها في الواقع الإقليمي.
من النص إلى السياسة: حدود التأويل
ترتكز فكرة “إسرائيل الكبرى”، في أحد أوجهها، على نصوص توراتية تشير إلى حدود “أرض الميعاد” الممتدة «من نهر النيل إلى نهر الفرات». وقد جرى التعامل مع هذه النصوص، في كثير من الأدبيات العربية، بوصفها أساسًا لمشروع سياسي توسّعي.
غير أن القراءة التاريخية تُظهر أن هذه النصوص، في سياقها الأصلي، تعبّر عن تصور لاهوتي للهوية والانتماء أكثر مما تقدّم برنامجًا جغرافيًا قابلاً للتطبيق.
وتشير دراسات حديثة في علم الآثار التوراتي، مثل أعمال إسرائيل فنكلشتاين ونيل آشر سيلبرمان، إلى الطابع الرمزي لهذه الحدود، لا إلى كونها خرائط سياسية دقيقة.
الأهم أن الصهيونية السياسية التي أسست دولة إسرائيل لم تنطلق من هذا الفهم الحرفي. فقد طرح تيودور هرتزل مشروعًا سياسيًا لإنشاء دولة، بينما تعامل دافيد بن غوريون مع الحدود بوصفها مسألة تفاوضية مرتبطة بموازين القوى.
وحتى بعد عام 1967، حين برزت تيارات دينية-قومية أعادت إحياء القراءة التوراتية، بقي تأثيرها ضمن المشهد السياسي، لا العامل الحاسم فيه.
سرديات متقابلة: من التعبئة إلى التفسير
في المقابل، تشكّلت في العالم العربي، خصوصًا بعد 1948 و1967، سردية قومية ترى في إسرائيل مشروعًا توسعيًا بطبيعته.
وهنا تحوّلت فكرة “إسرائيل الكبرى” إلى أداة تفسير وتعبئة في آن، تُستخدم لشرح الهزائم واستنهاض الرأي العام. وقد رأى مفكرون مثل قسطنطين زريق في إسرائيل تحديًا حضاريًا شاملًا.
في الفكر القومي السوري، كما صاغه أنطون سعادة، تأخذ الفكرة بعدًا مختلفًا؛ فإسرائيل ليست فقط دولة توسعية، بل كيان وظيفي يهدف إلى تفكيك “سوريا الطبيعية” ومنع تكاملها.
أما في السرديات الإسلامية، فيُعاد تعريف الصراع في بُعده العقدي. ففي الفكر السني، كما لدى سيد قطب، يُقرأ الصراع كصدام حضاري وديني، بينما في السردية الشيعية، خصوصًا بعد الثورة الإيرانية، تُقدَّم إسرائيل ككيان عدواني دائم.
تُستخدم فكرة “إسرائيل الكبرى” كدليل على نوايا توسعية مستمرة، وتستمر هذه السرديات في لبنان حتى بعد انسحاب إسرائيل من جنوبه عام 2000، ما يجعلها جزءًا من بنية سياسية وخطاب تعبوي مستمر.

لبنان: الوقائع في مواجهة السردية
إذا كان لا بد من اختبار هذه الفكرة، فإن لبنان يقدّم أحد أوضح النماذج.
في عامي 1978 و1982، نفذت إسرائيل اجتياحين واسعين، ووصلت في الثانية إلى بيروت. ومع ذلك، لم يتحول هذا التقدّم العسكري إلى مشروع ضمّ أو استيطان دائم، بل تبعته انسحابات تدريجية انتهت بخروج كامل عام 2000.
وفي حرب تموز/يوليو 2006، استمرت المواجهة 33 يومًا، وشهدت عمليات عسكرية مكثفة، لكنها بقيت ضمن أهداف محددة، دون محاولة لاحتلال شامل أو فرض واقع دائم على الأرض.
تطرح هذه الوقائع سؤالًا جوهريًا، لو كان هناك مشروع توسّعي ثابت، لماذا لم يتحول التفوق العسكري إلى توسّع جغرافي دائم؟
تُظهر التجربة اللبنانية أن السلوك الإسرائيلي محكوم إلى حد كبير بمنطق الكلفة والعائد، والأمن، لا بعقيدة توسعية مطلقة.
منطق الدولة: الأمن قبل الأيديولوجيا
لا يقتصر هذا النمط على لبنان. ففي سيناء، احتلت إسرائيل شبه الجزيرة كاملة عام 1967، لكنها انسحبت منها بالكامل بعد اتفاقية السلام مع مصر.
وفي غزة، جرى تفكيك المستوطنات والانسحاب الكامل عام 2005، رغم معارضة تيارات داخلية.
كما تؤكد اتفاقيات السلام مع مصر والأردن أن إسرائيل مستعدة للتخلي عن أراضٍ واسعة احتلتها مقابل ترتيبات أمنية واعتراف سياسي.
كل ذلك يشير إلى أن إسرائيل، في ممارستها الفعلية، تتصرف كدولة براغماتية، تتوسع حين ترى تهديدًا مباشرًا، وتنسحب عندما ترتفع الكلفة أو تتغير التوازنات.
حتى التيارات الدينية-القومية التي تتبنى رؤى توسعية لم تنجح في فرض مشروع دائم على مستوى الدولة. وهنا تتضح الفجوة بين إسرائيل ككيان سياسي، و”إسرائيل الكبرى” كفكرة أيديولوجية.
بين الفكرة والواقع أين تكمن المشكلة؟
لا تكمن المشكلة في وجود فكرة “إسرائيل الكبرى” بحد ذاتها، بل في تحوّلها إلى إطار تفسيري شامل يُستخدم لقراءة كل ما يحدث في المنطقة.
فعندما تتحول فكرة مركّبة إلى مسلّمة جاهزة، يصبح الواقع نفسه خاضعًا للتفسير المسبق، بدل أن يكون هو معيار التقييم.
وفي هذا السياق، يكشف لبنان حدود هذه المقاربة؛ إذ يقدّم مثالًا واضحًا على سلوك عسكري وسياسي لا ينسجم مع نموذج توسّعي مطلق، بل مع منطق دولة تحسب خطواتها وفق معادلات معقدة من القوة والأمن، التكلفة والعائد، والبيئة الإقليمية.
خلاصة: سردية قوية… لكن واقع أكثر تعقيدًا
“إسرائيل الكبرى” ليست وهمًا خالصًا، ولا حقيقة مطلقة. إنها سردية مركّبة نشأت من تفاعل نصوص دينية، وتأويلات أيديولوجية، واستخدامات سياسية، ووقائع جزئية جرى تعميمها.
غير أن تحويلها إلى تفسير شامل يختزل واقعًا معقدًا في صورة واحدة يعيق فهم التحولات الفعلية في المنطقة.
تُظهر تجربة لبنان، بما تحمله من اجتياحات وانسحابات وحروب محدودة أو واسعة، أن السلوك الإسرائيلي أقرب إلى البراغماتية الأمنية منه إلى مشروع توسّعي مفتوح بلا حدود.
وبين إسرائيل كدولة تحسب مصالحها، وإسرائيل كفكرة في بعض تياراتها، تتسع فجوة ملأتها السرديات المختلفة.
وفهم هذه الفجوة، لا الاكتفاء بترديدها، هو المدخل الحقيقي لقراءة ما يجري اليوم في لبنان والاقليم.

اسرائيل الكبرى حتى في ادبياتهم لو كانت حلما لكن من مهد لها واعطاها مبرر التوسع هو حماس والحزب وايران هم من دعموا ذلك